"الفجر الصادق"

"الفجر الصادق"
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك لك وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، أما بعد:
قبل أن نتحدث عن بشائر هذا الفجر وخيوطه ا لتي بدأت تلوح في الأفق لابد أن نلقي نظرة ولو سريعة على الظلمة والليل الحالك الذي ينتظر أن يعقبه هذا الفجر بإذن الله ومشيئته ، إنني لا أبالغ عند ما أقول إن الأمة الإسلامية الآن تمر بمرحلة من أسوأ مراحلها التاريخية ،وإننا الآن نعيش صفحة كالحة من تاريخ هذه الأمة، لقد بدأ هذا الليل وتوج بسقوط الخلافة ، وهي الرمز السياسي الذي كانت تلتقي حوله الأمة -مع ما كان فيها من ضعف ومن جوانب انحراف لم تكن يسيرة -ولكنها مع ذلك كله كانت رمزاً يلتقي عليه المسلمون جميعاً ،وكان سقوط الخلافة إيذاناً ببدء عصر من التمزق و التفرق السياسي، والتخلف العقدي، فتحولت تلك الأمة التي كانت تجمعها قيادة واحدة وخلافة واحدة من المشرق إلى المغرب، تحولت إلى أمم ودويلات يناحر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً، وأعقب ذلك ألوان من التخلف والانحراف عن منهج الله سبحانه وتعالى .
مظاهر الانحراف في واقع المسلمين:
الانحراف في الجانب العقدي : ويتمثل في تلك المكفرات التي انتشرت في أوساط الأمة، فإن الكثير من المسلمين أصبحوا يعكفون على القبور والأضرحة و أعادوا بها مجد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ،وعلى مستوى أعلى من ذلك فإن الكثير من المسلمين يحتكمون إلى غير شرع الله سبحانه وتعالى ويشرّعون أنظماً تبيح ما حرّم الله وتحرم ما أباح الله ، أعادوا بها مجد التتار وباسقهم السابق ، وانحراف آخر أيضاً في قضية أساسية من قضايا العقيدة يتمثل في الولاء السافر الذي منحته الأمة لأعدائها وقد تعبدّها الله سبحانه وتعالى ببغضهم و البراءة منهم ،وما كانت هذه البراءة من هؤلاء الأعداء بدعة ابتدعتها هذه الأمة، بل هي عقيدة ورثتها من أبيها إبراهيم عليه السلام الذي سمانا المسلمين ( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذا قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ا لعداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) .
أما الانحرافات في الجوانب الأخرى فحدث عن ذلك ولا حرج : ففي مجال الاقتصاد لعلنا نعرف جميعاً أن الدول الإسلامية أصبحت تنافس اليهود فصار الربا جزءاً لا يتجزأ من حياة الأمة الإسلامية ، ولم يعد مجرد عمليات يمارسها فلان وفلان من الناس أو فرد أو فردان، إنما أصبح جزءاً لا يتجزأ قلما تخلو منه مؤسسة مالية فردية أو رسمية، وقد توعد الله سبحانه وتعالى آكليه بالحرب فقال: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) .
أما الجانب الاجتماعي فالفساد الأخلاقي وانتشار الرذيلة وانتشار الفواحش والمحرمات في مجتمعات الأمة أمر ليس بحاجة إلى بيان .
إنني لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذه المظاهر ولا أريد أن أزعجكم فأنقب عن ما يحرص المرء أن لا يتذكره من هذا الواقع المتعفن الذي تعيشه الأمة، فإنني جئت لأبعث الأمل إليكم ولم آتِ لإبكائكم..
وإضافة إلى هذه الصورة السوداء الكالحة من داخل هذه الأمة ، فهي تعيش أيضاً تآمراً دوليًّا يمارس تارة باسم النظام الدولي، وتارة باسم المؤسسات الدولية ، بأسماء ولافتات تختلف،ولكنها تتفق تحت هدف واحد ألا وهو القضاء على الأمة الإسلامية ومحاربة الإسلام، ومع هذا التآمر الدولي الذي تقف وراءه القوى الدولية مع ذلك كله يوجد هناك طابور خامس منتشر في صفوف المسلمين الذين يمنحون ولاءهم لأعداء الله عز وجل ، والذين حذرنا منهم صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ،وصفهم لنا صلى الله عليه وسلم أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، ومع ذلك كله أيضاً بدأت الرايات السوداء ترتفع وبدأ أحفاد القرامطة و العبيديين يتطلعون مرة أخرى إلى إعادة تلك المجازر التي اقترفوها في حق الأمة ، وما نسيت الأمة الآلاف الذين قتلوا في بيت الله على يد أولئك القرامطة، وما نسيت الأمة الآلاف بل الملايين الذين قتلهم التتار وكانوا نتيجة خيانة هؤلاء الباطنيين ،هاهم هؤلاء أيها الأخوة بدأوا مرة أخرى يرفعون رؤوسهم وبدأوا يسعون إلى تصدير ثورتهم ،بل تصدير رفضهم وبغضهم لخير الأمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،وتحركُ هؤلاء أمرٌ لا يخفى عليكم أيها الأخوة.
ومع هذه الصورة الكالحة التي تعيشها الأمة، مع هذا التآمر الذي يمارس ضد الأمة ، ومع هذا التآمر الدولي العالمي، ومع الطابور الخامس الذي يؤيد هؤلاء وأولئك، ومع بروز رؤوس الأفاعي من الطوائف الباطنية والرافضية وغيرها، مع ذلك كله نقول ونجزم أن النصر لابد أن يتم ويتحقق لهذه الأمة ، ولابد أن ترتفع راية لا إله إلا الله الراية الحقيقية التي تقوم على منهج خير القرون منهج النبي صلى الله وسلم وأصحابه ، وأينما تلفت المرء يمنة ويسرة رأي خيوط الفجر بدأت تلوح لكل ذي عينين، إن هذا الحديث وهذه الدعوى ليست مجازفة ولا أمنيات ، إنها حقيقة وقناعة لم تعد مجرد آمال ولم تعد مجرد أمان، بل هي حقيقة لا مساومة عليها، وحقيقة عندنا لا تقبل الشك أو النقاش ، أن النصر سيكون لهذه الأمة بإذن الله ، وأن هذا الدين سيتبوأ المكانة التي اختارها الله سبحانه وتعالى إليه.
مؤيدات النصر والتمكين للأمة:
هذه الدعوى التي نقولها تؤيدها مؤيدات عدة أولها ومن أهمها :
1-مكانة هذه الأمة :
هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )، هذه الأمة شهيدة على الناس في الدنيا وشهيدة على الناس في الآخرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ؟فيقول نعم ، فيقال لقومه: هل بلغكم ؟فيقول له :ما جاءنا من نذير وما جاءنا من أحد ،فيقول الله :من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته فأشهد وتشهدون بأن نوحاً قد بلغ الرسالة " ، فهذه الأمة ستشهد يوم القيامة ستشهد لنوح وستشهد لهود ولصالح ولسائر الأنبياء كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) وكما أخبرنا صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة من أن هذه الأمة ستشهد لأنبياء الله سبحانه وتعالى .
هذه الأمة هي خاتمة الأمم المؤمنة بشرع الله سبحانه وتعالى ،هذه الأمة اختصها الله سبحانه وتعالى بأفضل كتاب ، واختصها بأفضل رسله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم هذه الأمة شطر أهل الجنة، لا بل إنهم كما قال صلى الله عليه وسلم ثلثي أهل الجنة فأهل الجنة عشرون ومائة صف منهم ثمانون صفًّا من هذه الأمة ، ويصورالنبي صلى الله عليه وسلم لنا أتباعه عندما عرضت عليه الأمم فرأى النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي ومعه الرهط ،فرفع له سواد عظيم فظن أنه أمته فقيل هذا موسى وقومه، ثم رفع له سواد قد سد الأفق فقيل هذه أمتك ومعها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب .
أتظنون أن هذه الأمة التي تحمل هذه المزايا وهذه الفضائل أتظنون قد اختارها الله لتعيش هذه المرحلة من الذل ولتكون في مؤخرة القافلة ؟معاذ الله أن يكون هذا هو واقع هذه الأمة، ومعاذ الله أن يكون هذا قدر الله لخير أمة أخرجت للناس ، إنه لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يستمر هذا الواقع ، إن الأمة الآن تعيش مرحلةً من الذل والتأخر، وتعيش الآن في ذيل القافلة، ولكن لن يستمر هذا الليل فلابد لهذه الأمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى وخصها بهذه الخصائص من أن تتبوأ مكانتها ، ولابد لها من أن تأخذ مكانها الطبيعي الذي خلقها الله من أجله ،وجعلها وصية بعد ذلك على الناس لا لكرامة جنسية أو عرقية إنما لأنها تحمل دين الله سبحانه وتعالى الذي هو خاتمة الأديان وخاتمة الشرائع .
2- نصوص القرآن:
إن نصوص القرآن الكريم المتضافرة التي تدل على ذلك قال عز وجل :( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً) ، وقال تعالى :( وليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون )، وقال سبحانه :( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ،إن الذين يحملون هذا الدين هم جند الله سبحانه وتعالى وقد وعدهم الله عز وجل وأخبر أن كلمته سبقت بنصرهم وغلبتهم وتمكينهم وحاشا لله أن يتخلف هذا الوعد وأخبر تعالى بأنه ينصر من ينصره فقال: ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )، ووعد سبحانه وتعالى هذه الأمة بالتمكين والنصر فقال :( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذين ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) ومن ذلك أيضاً إخباره تعالى أنه مكن الأمم السابقة ، ومن تلك الأمم بنو إسرائيل يقول الله عز وجل :( طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) ،لقد تسلط فرعون على قومه وكان شعاره ودستوره ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وبلغ بهم غاية الذل والاستعباد حتى أنه يعتقد أنه عند ما يأذن لموسى بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ،وبتعبيد بني إسرائيل لله عز وجل، ويعد هذه منّة يمنّها على موسى فيقول له موسى ( وتلك نعمة تمنُّها عليّ على أن عبدت بني إسرائيل ) بل يبلغ من حمق فرعون وتسلطه أن يشترط على الناس أن يستأذنوه حين يؤمنون ؛فيقول للسحرة عندما آمنوا :( آمنتم له قبل أن آذن لكم إن هذا لمكرٌ مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها)، ويستعمل فرعون كل وسائل الإرهاب الفكري ووسائل البطش والتشويه الإعلامي،فيصور موسى u أمام الناس على أنه إرهابي يريد أن يفسدهم ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) ،ويصور هؤلاء السحرة الذين آمنوا وتابوا إلى الله سبحانه أنهم يريدون الفساد ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) ،ويمارس ألواناً من البطش حتى البدني فيقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف ويصلبهم في جذوع النخل ومع ذلك يقول الله سبحانه و تعالى :( وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) ، فمهما بلغ أعداء الأمة لن يبلغوا كبطش فرعون واستبداده إن بني إسرائيل ليسوا أكرم على الله ولا أبر من هذه الأمة التي فضلها واختارها سبحانه وتعالى وخصها بخاتمة الشرائع والأديان فإذا مكن الله لبني إسرائيل ودمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون فإن هذه الأمة أولى وأحرى بالتمكين كما أن عدو هذه الأمة مهما بلغ من البطش ومهما بلغ من التمكين لن يبلغ ما وصل إليه فرعون وهامان وغيره ووزرائه وأعوانه .
3- نصوص السنة :
وهي كثيرة متضافرة لعلي أشير إلى بعضها ، فمنها ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لابد أن تبقى طائفة من أمته على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم يقول صلى الله عليه وسلم : " إذا فسد أهل الشام فلا خير منكم ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يظهرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " ، وقد حكى جمع من المحدثين أن هذا الحديث قد بلغ درجة التواتر .
ويخبر صلى الله عليه وسلم أيضاً " أنه على رأس كل مائة سنة يبعث الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها " ويعد النبي صلى الله عليه وسلم بملحمة لابد أن تكون قادمة ، ملحمة تكون بين جنود الله بين المؤمنين وبين إخوان القردة والخنازير " تقاتلون اليهود فتقتلونهم حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله" .
ويخبر صلى الله عليه وسلم أن جنود الإسلام ستصل وسط معقل النصرانية وستحرر روما والقسطنطينية، تلك البلاد التي يصدَّر منها الحقد على هذه الأمة والتي تصدر منها إرساليات التبشير، وأصبحت وكر التآمر على هذه الأمة ، إنها ليست خيالات وليست أماني بل هي وعد صادق من المعصوم صلى الله عليه وسلم ( الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي ) .
ومن أجمع ذلك أيضاً ما أخبر به صلى الله علية سلم من قوله: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يدع الله بيتاً مروه ولا وبراً إلا أدخله الله هذا الدين "، فيخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه لن يبقَ مكان تشرق عليه الشمس ولن يبقَ مكان يبلغه الليل والنهار إلا دخله هذا الدين ولن يبقَ بيت من طين أو بيت من شعر أو وبرٍ إلا دخله هذا الدين، إن ذاك الأعرابي الذي ضرب قبته في فلاة بعيدة لابد أن يدخل بيته وخلاءه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًّا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ، إنها إرادة الله أكبر من إرادة البشر، وقوة أكبر من قوة البشر، ومهما تآمر الأعداء فلابد أن يتحقق وعد النبي صلى الله عليه وسلم ,ولابد من أن يتم هذا الدين ويظهر هذا الدين ،بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم " لو لم يبقَ إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أمتي أو(أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي واسه أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً " .
وفي حديث يعرض فيه عرضاً وجيزاً لتاريخ هذه الأمة يقول صلى الله عليه وسلم: " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبريًّا ثم تكون ملكاً عاضاً ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة " ، فلابد أن تعود هذه الخلافة على منهاج النبوة مرة أخرى كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم .
4- تاريخ الأمة :
فلنقرأ تاريخ هذه الأمة التي وصلت جيوشها إلى أقصى المشرق و المغرب ،زَحَف عُقْبة بجيوش حتى وقف على مشارف البحر وقال:" اللهم إني لوكنت أعلم أن وراء هذا البحر أقواماً لخضته حتى انشر دينك" الذين دخلوا إلى أوروبا وفتحوا بلاد الأندلس ،والذين وقفوا على حدود فيينا الذين ملكوا المشرق والمغرب حتى كان هارون الرشيد ـ رحمه الله ـ ينظر إلى السحابة فيقول : " أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك " هذا النصر الذي وقع للأمة من أين وكيف كانت الأمة قبل ذلك ؟
لقد كانوا كما قال جعفر رضى الله عنه: " كنافي جاهلية نأتي الفواحش ويقتل بعضنا بعض ويأكل بعضنا بعضاً ونأكل الخنافس والجعلان حتى أرسل الله إلينا محمد صلى الله عليه وسلم"… لقد كانوا قبائل متناحرة في جزيرة العرب لا يقيم لهم أحد وزناً ولا يعرف لهم خطر ، وكان الفرس لا يمكن أن يواجهوا العرب مواجهة مباشرة وما كانوا يستحقون أن تواجههم قوات الفرس بل كانوا عند ما يتمرد هؤلاء العرب يرسلون إليهم بعض القبائل الموالية لهم، والتي كانت تدور في فلكهم فتقوم بمهمة تأديبهم ،وعندما بدأت جيوش المسلمين واقتربت من الفرس، ظن الفرس أن الذي أخرجهم الجوع فعرضوا عليهم بعض المساعدات المالية وبعض العطاءات،غير أن الذي أخرجهم شيء آخر إنه إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها كما قال ربعي بن عامر في خطابه لرستم،وما هي إلا برهة قصيرة حتى استطاع أولئك الحفاة العراة، استطاع أولئك الفقراء المتناحرون الذين جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم تحت كلمة لا إله إلا الله استطاعوا أن يدكوا عرشي كسرى وقيصر وأن ينشروا الإسلام في مشرق الأرض ومغربها .
كما ابتدأ الإسلام من هذه المرحلة ألا يمكن أيضاً أن يعود مرة أخرى؟ فالذي صار مرة سابقة يمكن أن يقع كذلك ونحن مع ذلك أيضاً نملك تلك التجارب التي خاضتها أمتنا, نملك أن نقنع الناس ,لقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لخباب بن الأرت وهو في مكة مستضعف: " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه وما بقي الأمر كذلك بل لقد كان الراكب يسير من هناك من بلاد ما وراء النهر إلى بلاد المغرب ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه " كما حدث في عهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في مكة وحيداً كان يقوله لخباب عندما جاء يشتكي ويطلب منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى ، وفي غزوة الخندق كان الرجل لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط وحده من الخوف الشديد والهلع ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً )، ومع ذلك كله يعدُ صلى الله عليه وسلم بفتح كنوز كسرى وقيصر وما هي إلا أيام ويتم ما وعد به صلى الله عليه وسلم ، فهذه الأمة التي انتصرت وقد بدأت من لاشيء ألا يمكن أن تنتصر مرة أخرى ؟
ولقد مرت هذه الأمة بعصور متفاوتة من الانحطاط والتأخر أصاب المسلمين فيها الأسى وكانوا يتصورون ألا يعود فيه للأمة مكانتها ، لقد زحف التتار بجهود و مباركة الرافضة – عليهم من الله ما يستحقون –على بلاد الإسلام حتى قتلوا في بلاد المسلمين مليوناً و 800ألف من المسلمين حتى أن المسلمين في بلاد الشام تأذوا من روائح إخوانهم الذين ماتوا في بغداد ، وارتكبوا مجازر بشعة كان بطلها الأول قبل أن يكون التتار هم الرافضة نصير الدين الطوسي وابن العلقمي , أعقب تلك المجازر شعورٌ بالهزيمة ولشدة هذا الشعور أصبحت حقيقة لا تقبل النزاع ولا الجدل أن التتار شبح لا يمكن أن يهزم ، ولا يتصور أحد منهم أنه يستطيع أن يواجه التتار فضلاً عن أن يهزمهم وعادت الأمة مرة أخرى وهزمت أولئك .
مثال آخر كان وراءه أولئك الأنذال العبيديون الباطنيون عند ما مكنوا لجيوش النصارى والصليبين فداسوا مقدسات المسلمين وبقي المسجد الأقصى في أيدهم إحدى وتسعين سنة وارتكبوا فيه من المجازر ما لا يخفى عليكم جميعاً ، وتخيل المسلمون بعد ذلك أن لن تقوم للإسلام قائمة ، فيقوم الإسلام ويقوم المسلمون ، ويعود للأمة مكانتها وتمكينها. وتجربة أخرى من التجارب ليست بعيدة ، عنا لقد كانت هذه البلاد التي نعيشها تمر بمرحلة من الوثنية أشبه ما تكون بالوثنية الجاهلية ،كان الناس فيها يعكفون على القبور والأحجار،إضافة إلى التخلف والتمزق السياسي فقد كانت كل قبيلة وحدة واحدة ينتشر فيها النهب والسرقة والفوضى ، فقيّض الله لهذه الأمة مجدداً ومصلحاً هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله -.
وما هي إلا بضع سنوات وتخضع تلك الجزيرة من اليمن إلى تخوم الشام ، ومن الخليج إلى البحر الأحمر ، كل هذه الجزيرة تخضع تحت إمام واحد حتى يأتي مجموعة من الأعراب كاد أن يقتلهم الجوع وقت خلافة عبد العزيز بن محمد ـ رحمه الله ـ فيرون ماعزاً تمشى في الطريق ، فيبحثون عمن يعلق الجرس ليأخذها فما يجرأ أحدهم أن يأخذها حتى قال أحدهم دعوها : فإن الإمام عبد العزيز يحرسها .
لقد وحد الله تلك البلاد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ وعلى أولئك الأفراد الأوائل حتى انتشرت فيها كلمة التوحيد وحتى أصبح الرجل يسير آمناً ، يأتي ا لرجل يحج على دابته من الشام إلى بيت الله الحرام لا يخشى إلا الله سبحانه وتعالى بعد أن كانت تلك البلاد موئلاً للفتن والاضطرابات ، ومرت هذه الدعوة المباركة وعمت أرجاء العالم الإسلامي فيتأثر بها صديق حسن خان في بلاد الهند ويتأثر بها رشيد رضا في بلاد مصر وفي بلاد المغرب العربي .. وفي بلاد جنوب أفريقيا وفي جميع بلاد المسلمين تجد من تأثر بهذه الدعوة واستجاب لها وقام يدعو لها وينافح عن أصحابها .
هذه الأمة التي استقامت تلك الاستقامات بعد أن هزمها التتار والصليبيون ، ويوم أن دُنّسَ بيتُ المقدس ، وبعد أن عشنا وأدركنا آثار هذه التجربة القريبة ومالها إلا ثلاثة قرون أو قرنين من الزمان تلك التجارب تعطينا دلالة أن الأمة قادرة عندما ترجع إلى دينها و عند ما ترجع إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قادرة أن تعيد مرة أخرى صفحات تاريخها المشرق .
5- السنن الربانية :
إن هذا الكون أيها الإخوة إنما يسير بتقدير الله سبحانه وتعالى فكل شئ بقدر ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)، والله سبحانه وتعالى قد رتب سنناً تحكم حركة التأريخ وسيره ومن هذه السنن سنة المدافعة فالله سبحانه وتعالى يقول: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ، أتظنون الآن أن ذلك التفرد الذي يتمتع به الغرب بعد سقوط المعسكر الشرقي ، أتظنون أن هذا سيستمر ؟
لا يمكن أبداً بحال أن يستمر فإن من سنة الله سبحانه وتعالى المدافعة والمداولة فلابد أن تبرز قوة تدفع هذه القوة ، قد يكون الإسلام وقد تكون قوة أخرى فيبرز الإسلام في مرحلة لاحقة ، ولكن لن يستمر هذا الغرب بتسلطه وتفرده .
سنة أخرى أيها الإخوة من سنة الله سبحانه وتعالى : من اجتهد وبذل الأسباب أوصله الله سبحانه وتعالى إلى ما يريد في الحياة الدنيا ، انظروا الآن إلى العالم الغربي الذي يتحكم في العالم كيف كان أيام ما كانوا يسمى لديهم الوسطى ألم يبدأوا من تخلف وانحطاط ؟ يوم كان أولئك الغربيون يفدون على مدارس المسلمين في الأندلس ليتعلموا منها ألم يبدأوا من نقطة الصفر ؟ كيف استطاع هؤلاء بل كيف استطاعت الشيوعية خلال سنوات محدودة أن تقيم حكماً استبدادياً ينتشر في العالم حتى تصبح قوة ثانية تهدد العالم ؟ وسرعان ما هوت هذه الشيوعية وانهارت في عهد جيل واحد .
إنهم قد بذلوا الأسباب فالله سبحانه وتعالى من حكمته أن ييسر للإنسان عندما يبذل أسباب التمكين ، انظروا إلى الأمم السابقة كيف ارتقت إنها قد ارتفعت من الصفر حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ، وهذه الأمة عندما تبذل الأسباب فما الذي يحول بينها وبين النصر والتمكين ؟ إذا كانت هذه الأمم متحكمة في العالم الآن إنما وصلت إلى ما وصلت إليه لأنهم بذلوا الأسباب الدنيوية فما الذي يحول بين الأمة وبين ذلك .!؟
وهل النصر والتمكين وقف على هؤلاء ؟؟! إن بعض المسلمين من فرط تأثير الواقع يتخيل أن هذه الأمم خلقت ممكنة وستبقى كذلك إلى قيام الساعة وهذه الأمة شأنها شأن الأمم الأخرى .. ولو بذلت هذه الأمة الأسباب فإنها جديرة بالتمكين كما مكن غيرها , إن هذه الأمة تملك ما لا يملك غيرها ، تملك المنهج الذي يفتقد إليه الناس الذين يعيشون الآن ألوانا من القلق والاضطراب النفسي والضلالات البشرية ، تملك المنهج الذي يتسق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها .
ومن السنن نصر الله سبحانه وتعالى :
إن هذه الأمة لا تعتمد على جهدها وحدها ، لا تعتمد على الأسباب المادية ... إنها مؤيدة من الله سبحانه وتعالى واسمعوا قول الله عز وجل : (قَاتِلُوهُم يُعذِّبَهُم اللّه بِأَيدِيكُم)، فالنصر إنما هو من عند الله سبحانه وتعال:ى( فَلَم تَقتُلوُهُم وَلَكِنَّ اللّه قَتَلَهُم وَما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللّه رَمَى )، فمع أن الأمة الإسلامية شأنها شأن الأمم الأخرى عندما تبذل الأسباب وتجتهد فهي جديرة بالتمكين وجديرة بالنصر ، فهي مع ذلك تملك المنهج الذي تتطلع إليه البشرية التي تعاني الآن من الركام الهائل من ضلال الجاهلية المعاصرة ومع ذلك أيضا فهي تملك نصر الله ومدد الله عز وجل وتأييده وتوفيقه .
ومن سنن الله سبحانه وتعالى المداولة (وَتِلكَ الأَيامُ نُداوِلُها بَينَ النَّاس) ،لقد عرف الناس وعرف التاريخ أمماً سارت ومكن الله لها في الأرض ، فأين ما شاده شداد في إرم ؟ وأين ما ساساه في الفرس ساسان ؟ وأين عاد وثمود ؟ وأين فرعون وهامان وقارون وأبو جهل ؟ أين التتار؟ أين الصليبيون ؟ أين الروم ؟ أين الفرس ؟ أين أولئك الذين مكن لهم وتمكنوا ؟ لقد زالت دولتهم وما هي إلا حقبة ومرحلة حتى تسقط هذه الأمة فتنهض من بعدها أمم أخرى , فالتمكين ليس وقفا على أمة من الأمم .
قبل الحرب العالمية الثانية كانت الإمبراطورية التي كما يقال عنها ( لا تغيب عنها الشمس ) ، وكان يتصدر العالم بريطانيا وفرنسا ثم تحولت الصورة مرة أخرى . تحولت إلى معسكرين آخرين وسقط المعسكر الشرقي ، وهانحن نرى بوادر احتضار المعسكر الغربي.
6- الواقع المعاصر :
ومن المؤيدات الواقع الذي نعيش فيه ومن ذلك الصحوة الإسلامية ، فهي الآن لم تعد ممثلة في دعاة منتشرين في أنحاء العالم الإسلامي ، ولم تعد ممثلة في جماعات أو أحزاب أو جبهات إسلامية ، بل لقد أصبحت الصحوة تيارا متدفقا يملأ بلاد المسلمين ، وانظروا إلى آثارها ونتائجها ، وانظروا إلى واقع العالم الإسلامي الآن ، وواقعه قبل عقدين من الزمان ، كيف كانت الصورة ؟ فالأمة الآن قد أقبلت واتجهت إلى الله سبحانه وتعالى ومهما تآمر المتآمرون فالصحوة لم تعد رجلا واحداً ولم تعد فرداً أو فردين ، ولم تعد جماعةً أو حزباً أو جبهة ، بل هي تيار متدفق فقد أقبلت الجموع إلى الله سبحانه وتعالى .
المؤيد الثاني من مؤيدات الواقع حال الشعوب الآن فهي تقبل الإسلام وتريد الإسلام, قبل مرحلة من الزمن كانت الأمة تسير وراء الناصريين والقوميين والاشتراكيين ، وتسير وراء أبطال الهزائم والنكسات التي مرت بالأمة ، لكن الآن الأمة أصبحت تريد الإسلام وانظروا مؤشرا واحدا يعطيكم دلالة على أن الشعوب أصبحت تريد الإسلام .
تلك الدول التي يجري فيها انتخابات عندما يسمح للدعاة إلى الله عز وجل أن يشاركوا في هذه الانتخابات ما هي النتيجة التي يصل إليها هؤلاء ؟من كان يصدق أن ثلثي برلمانات إحدى الدول الإسلامية سيكون من الإسلاميين ! من كان سيصدق أن الإسلاميين سيحصلون على أكثر من 80% من أصوات الشعب مع تلك الحرب والتشويه لتاريخ أولئك الدعاة ، إن هذا يعطينا دلالة أيها الإخوة على أن الأمة تريد الإسلام ، وعلى أن الشعوب اتجهت إلى الإسلام وقد لفظت عنها أولئك . لقد لفظت عنها العلمانيين والبعثيين وغيرهم ، وعرفت أن شعارات أولئك لم تبقَ فعلاً ولم يبقَ إلا أولئك الدعاة ، وحين تصبح الصحوة تيارا كهذا التيار لا يستطيع أحد أبدا أن يقف في وجهه ولا يرده .
أيضا من مؤيدات الواقع سقوط الإمبراطورية الشرقية التي كانت تتحكم في نصف العالم ، التي كانت تمارس القتل والاستبداد والمجازر ، الشرق الذي كان يخشاه الغرب ويعتبره قوة تنافسه وتهدده , بين عشية وضحاها سقط وانهار وتمزق إلى دويلات ، والذي جعل المشرق يسقط سيسقط الغرب أيضاً، ولئن كان الغرب يملك قدرا من الثبات أكثر من المشرق لكنه أيضاً يملك من داخله مقومات الفناء . وقد بدأت عوامل الانهيار والفناء تنخر في جسد الغرب أيضا .
7- روافد أخرى للصحوة :
هناك روافد لهذه الصحوة تؤيد بروزها وتحتم ظهورها . منها :
1- كون المسجد الأقصى بيد اليهود . وقد يستغرب ذلك ، نعم أقول أن ذلك يكون دافعا للأمة أن تعود إلى الله سبحانه وتعالى ، لأن الأمة كلها بل كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله يتطلع لليوم الذي يحرر فيه الأقصى اليوم الذي يطرد فيه اليهود ، وحينئذ تعلم الأمة وقد جرب التاريخ أنه لن يخلص هذه البلاد الطاهرة إلا الدعاة الصادقون ، الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم :" يقول الحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله".
إن وجود الأقصى في يد اليهود مما يبعث على الأمل أيضاً لأن ذلك يشعرها بالذل والحاجة إلى أن تعود إلى دينها والحاجة إلى أن تلتف وراء القادة الصادقين .
2- التمزق الذي تعيشه الأمة ، مع أنه ظاهره مرضية لكنه مما يعين الأمة للرجعة إلى الله عز وجل ، لأن المريض لا يتشجع للعلاج إلا عندما يدرك خطورة المرض ، لقد أدركت الأمة فشل الشعارات الأرضية ، لقد أدركت أن ولاءهم ليس للإسلام إنما ولاؤهم لأعداء الإسلام وإنه لن ينقذها مما هي فيه أبطال البعث ولا الناصريون ولا القوميون ولا غيرهم ، لن ينقذها سوى الدعاة إلى الله سبحانه تعالى .
3- التآمر الدولي على الإسلام باسم النظام العالمي الجديد ، وباسم المؤسسات الدولية بكافة الأسماء والمسميات ويكفي أن نعلم أنه في عام 1983م أي قبل 9سنوات من الآن وقد تغيرت الصورة كثيرا قامت الاستخبارات الأمريكية بتمويل 120 ندوة لدراسة الصحوة الإسلامية ، أي بمعدل ندوة كل 3 أيام ، وهذا التآمر بحد ذاته بشرى خير لانتصار الإسلام وقد تستغربون ذلك ، أقول نعم إن هذا دليل على أنهم أصبحوا يشعرون أن الإسلام خطر يهدد حياتهم ، والأمر الثاني أيضا أن المسلم عندما يشعر أنه يُتآمر ضده سرعان ما يعود إلى دين الله سبحانه وتعالى ويلتف حول القادة الذين يدعونه إلى الله عز وجل والعودة إلى دينه سبحانه ، ومهما كاد هؤلاء فإنهم كما قال الله سبحانه وتعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) ، ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ، ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا)
أتظنون أيها الإخوة أن هؤلاء أكرم عند الله من قوم نوح ؟ أتظنون أن هؤلاء أكرم عند الله من قوم عاد (إرم ذات العماد ) ؟ أتظنون أنهم أكرم من قوم فرعون وزبانيته ؟ أتظنون أنهم أكرم على الله من أبي جهل وشيبة وعتبة وغيرهم ؟ إن الذي نصر محمداً صلى الله عليه وسلم ونصر نوحاً وهوداً عليهما السلام هو الذي يلجأ إليه المسلمون الآن ليطلبوا النصر ، إن الذي أزال الدولة عن فرعون وعن قوم نوح وعن أبي جهل وعتبة وشيبة ، هو الذي أيضاً يحاربه هؤلاء وهو الذي سيزيل الدولة عليهم مرة أخرى .
4- سقوط الحضارة الغربية فهي مؤذنة بالسقوط الآن ، ولنشر إلى بعض الإحصائيات السريعة -وهي إحصائيات قديمة وقد تغيرت الصورة الآن- :
- من الإحصائيات في الولايات المتحدة في كل 6دقائق تحصل جريمة اغتصاب وكل 28 دقيقة يسقط قتيل ، وكل 8 ثواني جريمة سرقة بالإكراه .
- في عام 1981م بلغ عدد الجرائم في الولايات المتحدة ثلاثة عشر مليوناً وثلاثمائة وتسعون ألف جريمة أي بمعدل 9 جرائم لكل مواطن ، وقامت أيضا الولايات المتحدة -كما نشرت جريدة الرياض - باعتماد مبالغ كبيرة لتمويل وتأمين أجهزة لاسلكي للمعلمين والمعلمات حتى يتصلوا بالأمن نظراً لأنهم يهددون من قبل الطلبة والطالبات ، وأيضا ذكرت جريدة الرياض أن نوع النظارات الجديدة والغالية الثمن تسببت في جرائم كثيرة نظراً لأن اللصوص يسرقون النظارات ثم يذهبون يبيعونها ، وقد سقط في وقت قصير ثلاثة أشخاص قتلى لأجل هذه النظارات .
- وفي عام واحد فقط اختطف في الولايات المتحدة 100ألف طفل .
أما الانهيار الاقتصادي فيكفي أنكم تعلمون جميعاً أن أكبر شركتي سيارات قد أعلنت خسارات كبيرة تبلغ المليارات .
فشركة جنرال موتورز قد قامت بإغلاق 50 مصنعاً وقد تجاوزت خسارتها أكثر من 4 مليارات دولار وقد قامت بتسريح آلاف العمال ، وتلاها في الخسارة ثاني أكبر شركة في الصناعات وهي شركة فورد وقد خسرت مليارين وثلاثمائة ألف دولار ..
هذه ليست خسارة لشركة واحدة إنما نكسة اقتصادية يعيشها هؤلاء ... ويكفي الوضع الاقتصادي أن تحصل نكبة أو هزة اقتصادية فهي كفيلة أن تهز هؤلاء وأن تقضي عليهم كما قضت على المعسكر الشرقي .
على كل حال هذه الحضارة الغربية الآن تحمل في طياتها بذور الانهيار ولا أريد أن أستطرد وأطيل في هذه النقطة لأصل بعدذلك إلى قضايا مهمة أود أن أنبه عليها .
أمور لابد منها:
بعد هذه الأمور السبعة أظن أنكم توافقونني جميعاً على أننا نجزم ونعتقد أنه بعد هذا الليل لابد أن يبزغ الفجر الصادق ولابد أن تنتصر هذه الأمة ولابد أن تعود هذه الأمة إلى المكانة التي اختارها الله عز وجل إليها خير أمة أخرجت للناس ، لكن مع ذلك كله لابد من الإشارة إلى أمور سريعة :
أولاً : مع كل هذه القضايا ومع هذا الوعد الصادق من الله عز وجل ومن النبي صلى الله عليه وسلم فيجب أن نعلم أن من سنة الله سبحانه وتعالى أن النصر والتمكين إنما يتم بجهود البشر أنفسهم وهذا من كرامة الله لهذه الأمة ، فلقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي بعث الله إليهم نبيا . أما هذه الأمة فمن كرامتها على الله عز وجل أنه كان يقودها العلماء والمصلحون والطائفة المنصورة الذين لا يأتيهم وحي من الله سبحانه وتعالى . أقول أيها الأخوة مع أن الله تكفل لهذه الأمة بالنصر ومع أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال :" بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين " ومع ذلك كله لابد أن يتم ذلك بجهد البشر .
منقول

العفة

موضوعنا هذه الليلة هو درس في العفة، وفي الواقع أن من أشد ما يعاني منه الشباب خاصة في هذا العصر الشهوات ومشكلة هذه الشهوة العارمة مع انتشار دواعيها وتنوعها وكثرتها ، وفي خضم هذه المثيرات وهذه الفتن يبقى الشاب صريعاً بين وازع الخير والإيمان والتقوى الذي يدعوه للعفة والمحافظة وبين الاستجابة للنفس الأمارة قصة قديمة فقد كنت قَد ألقيت محاضرة قبل سنوات بعنوان الشباب والشهوة ثم أصدرت كتاباً بعنوان "أخي الشباب كيف تواجه الشهوة " وبعد أن أصدرت هذا الكتيب وردت إلى رسائل كثيرة جدًّا رسائل بريدية أو مكالمات هاتفية من كثير من الشباب يعرض مشكلات كثيرة حول هذا الموضوع بمعدل رسالة أو رسالتين أسبوعيا منذ أن صدر الكتاب إلى الآن وأحرص أن أرد على كل رسالة ولو تأخرت في ذلك ولكن هذه الرسائل وتواليها أعطاني شعورا بأن لهذا الموضوع أهمية وبأن الشباب مازالوا يحتاجون وأنهم فعلا يعانون من مشكلة الشهوة، وهناك رسائل مؤثرة ومؤلمة في الواقع ولكن كثيراً من الشباب عندما يبعث لي بالرسالة يقول أرجو أن لا تقرأ هذه الرسالة في محاضرة أو تذكرها في كتاب مع أني لو قرأت جزءا منها فإنني لن أشير من قريب أو بعيد إلى واقع هذا الشباب ولكن من حقه علينا ما دام قد طلب منا هذا الطلب واستأمننا على سره أن لا نذكره، مع أني لو أعرضه لم يفهم الناس مَنْ المراد.
وهذا أشعرني بأن الموضوع يحتاج إلى معالجة أكثر وإلى تنويع الأساليب.
ومن ذلك النموذج ذكره اللّه سبحانه وتعالى في كتابه عن قصة يوسف عليه السلام كيف واجه الفتنة وكيف صبر ونجاه اللّه سبحانه وتعالى منها، ومن القضايِا المهمة التي يحتاج إليها الشباب: القدوة العملية، الصورة التي يراها شاخصة أمامه ويتخيل هذه الصورة، ويتخيل تلك الحال والمغريات والمثيرات التي فيها وكيف نجا يوسف من هذا الابتلاء فيعتبره قدوة ونموذجاً له يحتذيه.
وسنتناول الموضوع من خلال النقاط الآتية:
عوامل الإغراء ،ثم قوارب النجاة ، ثم وقفات حول القصة ، وأخيراً دروس أخيرة ، أما عوامل الإغراء فنحن عندما نتأمل هذه القصة وحتى نعرف الثبات الذي ثبته يوسف عليه السلام وحتى نعرف فعلا أن هذا البلاء لنبي اللّه. لا بد أن نتصور ونعيش جو القصة ونتصور عوامل الإغراء والإثارة التي كانت موجودة لدى يوسف عليه السلام ويستطيع كل منا أن يتصورها عندما يقرأ القصة ويتصورها ويتخيلها بنفسه ويستطيع أن يدرك هذه العوامل.
وقد أشار الحافظ ابن القيم حفظة اللّه إلى عدة أمور أوصلها إلى (13) كلها كانت وسائل وأمور تغري وتهيج الفتنة لدى يوسف عليه السلام في مثل هذا الموضوع.
* " أولها: العامل الطبع أي أن الرجل يميل إلى المرأة أصلا ، الرجل وكل الرجال إلا من شذي لديه هذه الشهوة فهذا العامل موجود أصلا.
الأمر الثاني: كونه شابًّا ولا شك أن الشهوة عند الشاب تكون أكثر توقداً منه عند غيره خاصة مع ذلك فقدرته على ضبط نفسه أقل من غيره ، ومن هنا تكون الصعوبة أكثر، فتعرفون أن يوسف عليه السلام رمي وهو صغير ثم أخذ رقيقاً وهو لا يزال غلاماً حتى قال عز رجل: " ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب".
ولا يهمنا الآن كم كان سن يوسف ولكن كان لاشك أنه قريب من العشرين يزيد عنها قليلا أو ينقص عنها قليلا، المهم أنه في مرحلة زهرة الشباب التي تشتد فيها هذه الشهوة.
العامل الثالث: أنه كان عَزَباً لم يتزوج بعد ولا شك أن هنا أيضاً أمر له أهميته فالمتزوج قد يسر اللّه له طريق الحلال فلو أثاره ما آثاره فأمامه المصرف الشرعي ، أما هذا الشاب الذي لم يتزوج بعد ولم يحصن نفسه فإنه أكثر عرضة للوقوع في المعصية والداعي للوقوع في المعصية والإغراء أكثر من غيره ومن هنا أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم الشباب قال: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
- الجانب الرابع: كونه في بلد غريب فالإنسان عندما يكون غريباً بعيداً عن أهله -خاصة لمّا يتركهم في سن مبكرة- فإن هذا يدعوه إلى أن يمارس ما يمارس ، فوجود الغربة يدعوه إلى أن ينطلق وينفلت من هذه القيود التي تقيده وتحجمه ، وكما نلاحظ الآن أن المرء عندما يغترب عن بلده يصبح أكثر عرضة للانفلات والضياع منه عندما يكون عند قومه وعشيرته وأهله.
- الأمر الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وذات جمال، أما كونها ذات منصب فهذا واضح وأما كونها ذات جمال فقال رحمه الله: إن مثل العزيز العادة أن لا يتزوج إلا امرأة ذات جمال.
الأمر السادس: كونها غير ممتنعة ولا آبية فإن مما يصد المرء أحيانا عن المعصية أن تمتنع المرأة وتأبى.
الأمر السابع: أنها طلب وأرادت وراودت و بذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وبذل الرغبة. فهي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب فيه. فالشاب قد تدعوه الشهوة إلى أن يواقع المعصية، لكن قد تبقى أمامه عقبه وهي الجرأة والتصريح بالرغبة والطلب.
وتجاوز الأمر إلى قضية التهديد والوعيد له، فاجتمع عليه الترغيب والترهيب، فلو لم تكن لدى الشاب الرغبة ابتداءً فهذا الموقف كفيل بإيجادها.
الأمر الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يجبها إلى ما تطلب أن يناله أذاها فاجتمع له الرغبة والرهبة.
الأمر التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه لأنها الراضية الراغبة، فيزول لديه خوف الفضيحة ومعرفة الناس بما قارف من سوء.
الأمر العاشر: قربه منها وكونه مملوكاً لها مما يؤرث طول الأنس، فهو يلقاها كل يوم ويراها، ويدخل عليها في أحوال لا يدخل عليها فيها غيره، وهذا يدعوه إلى أن يرى منها ما لا يرى منها غيره.
الأمر الحادي عشر: استعانتها بأئمة المكر و الاحتيال وهن النساء، قال تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن) فهي هنا استعانت عليه بالنساء وهن أئمة المكر والاحتيال، بل قال بعض أهل العلم : إن كيد المرأة قد فاق كيد الشيطان فقد قال :(إن كيدكن عظيم) واللّه قد قال في آية أخرى: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) . ولكن لاشك أن المرأة الصالحة القانتة التائبة العابدة بعيدة عن هذا كله المهم.
والمقصود أن المرأة استعانت عليه أيضا بالنسوة مرة أخرى، فالموقف قد تكرر مرة أخرى فهي بعدما راودته عن نفسه وامتنع، استعانت عليه بالنسوة لتصيد عصفورين بحجر واحد؛ أن تكيد للنسوة وتنتقم مما قلنه في حقها، وأن تستعين عليه بهن، فتجمع النسوة وتعطيهن الطعام، وتأمره بأن يخرج عليهن، فيبهرهن جماله، ويقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، فكيف بيوسف عليه السلام وهو يتعرض للمراودة مرة أخرى، ويسمع هذا الوصف من النسوة، ويسمع هذه المرأة تصرح بالسوء وتعلنه بكل جرأة ووقاحة.
الأمر الثاني عشر: التوعد بالسجن والصغار؛ فإنها قالت (لئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكوناً من الصاغرين) وهي تملك ذلك؛ فهي زوجة العزيز، والأمر بيديها، وهي ممن وصفت بالكيد العظيم وقد ثبتت قدرتها على ذلك فدخل يوسف عليه السلام السجن ولبث فيه بضع سنين.
- الأمر الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر الغيرة والنخوة التي تليق بالأزواج، فحين شهد الشاهد واتضح الأمر أمامه. قال هذا الزوج الديوث ليوسف عليه السلام (أعرض عن هذا) وقال للمرأة (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) وانتهى الموضوع، فليس هناك ما يدعو لإثارة الموضوع ولا إثارة المشكلات((ينقل كلام سيد قطب رحمه الله))
وهناك أمر رابع عشر: يمكن أن نضيفه إلى ماذكر الحافظ بن القيم رحمه اللّه : أن يوسف نشأ في هذا البيت، بيت أحسن أحواله على الأقل أن يقول إن قضية الفاحشة قضية سهلة. وحتى الرجل الذي يفعل الفاحشة لا يمكن أبدأ أن يقبل أو يرضى أن يكون هذا في أهله. بل مجرد التهمة تدعوه إلى قتل زوجته أو مفارقتها لكن يوسف عليه السلام قد حفظه الله، فلم يتأثر بهذا المجتمع الذي يعيش فيه.
هاهو يوسف عليه السلام يعيش هذا الموقف بظروفه وملابساته، وتجتمع عليه هذه المثيرات، فينجيه الله تبارك وتعالى منه ويثبته على طاعته.
إن الشاب المسلم اليوم ليتطلع إلى هذا النموذج ويتخذه مثلاً له يسير عليه، كيف لا وقد أخبر الله تبارك في مبدأ هذه السورة بشأن هذه القصة بقوله تعالى :(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذه القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين). وقال: (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) وقال :(أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم أقتده فل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين).
وشهد النبي r ليوسف عليه السلام بأنه من خير الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال :"أتقاهم" فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" ، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". متفق عليه.
هذه نماذج يتطلع إليها الشاب المسلم اليوم، وهو قد لايصل إلى هذه المنزلة ولن يصل إليها، وأنَّى لامرئ أن يصل منزلة أنبياء اللّه، لكنه يجعل هؤلاء مثلا وقدوة يقتدي بهم.
وقفات تفسيرية:
ليس الحديث عن تفسير السورة وآياتها مجال حديثنا هنا، لكن هناك بعض الآيات تحتاج إلى وقفة عاجلة وذكر لما قاله المفسرون فيها، ومنها:
الوقفة الأولى:
قال تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فدلت هذه الآية على أن كلا من يوسف والمرأة قد هم بصاحبه، أما هم المرأة فقضية واضحة لا إشكال فيها، والإشكال إنما هو في هم يوسف عليه السلام بالمرأة. فما معنى الهم هنا؟
أقوال المفسرين كثيرة نشير إليها بإيجاز ثم نختار بعد ذلك مايظهر أنه يليق بمقام أنبياء الله. وقبل ذلك هناك مقدمة لا بد منها وهي: أننا نعتقد نزاهة أنبياء اللّه ونزاهة يوسف عليه السلام، ويوسف ما أورد اللّه قصته في هذه السورة إلا أنه نموذج ومثل يحتذى. ولا ينبغي أن نستطرد في ذكر الأقوال التي هي منقولة عن بني إسرائيل وفيها اتهام ليوسف عليه السلام، وتصوير لا يليق بنبي من أنبياء اللّه.
ومن سوء الأدب مع نبي الله الكريم بن الكريم بن الكريم : ما يروى عن بعض الناس أنه دعته أعرابية فامتنع فرأى يوسف في المنام فقال من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هممت وأنت لم تهم. فكأن مثل هذا يرى أن منزلته أفضل وأعلى من منزلة يوسف عليه السلام.
المهم أننا عندما نقرأ في كتب التفسير حول هذه القصة أو غيرها يجب أن لا ننساق وراء بعض الإسرائيليات التي تحط من شأن الأنبياء ومنزلتهم عليهم السلام، وعلينا أن نقرأ هذه الأخبار ونتعامل معها بروح التقدير واعتقاد العفة والمنزلة العالية لأنبياء اللّه عليهم صلوات الله وسلامه.
نعود إلى الحديث عن أقوال المفسرين:
القول الأول: أنه هم بهذه الخطيئة ولم يعملها والنبي r قال: " من هم بسيئة ولم يعملها كتبت له
حسنة كاملة". ومثل ذلك: أن الرجل يحدث نفسه لكنه لا يقدم على الفعل، كما يحدث الصائم نفسه أن يشرب الماء البارد.
فهذه حسنة يثاب عليها كما أخبر r . في شأن من هم ولم يفعل.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن اللّه عز وجل لم يذكر عن أي نبي من أنبيائه أنه وقع في معصية إلا وذكر أنه تاب منها واستغفر منها. فهو هنا لم يذكر أن يوسف عليه السلام تاب واستغفر وهذا يعني أنه لم يقع منه أي معصية.
القول الثاني: قالوا إنه هم بضربها.
القول الثالث: إنه حدث نفسه أن تكون زوجة له، لما رأى جمالها.
القول الرابع: قال به ابن حيان واختاره الشنقيطي في أضواء البيان وأطال في استظهاره، ومؤداه أن يوسف عليه السلام لم يقع منه الهم أصلا لأن اللّه تعالى قال: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه). ولولا حرف امتناع لوجود ، فهو هنا قد امتنع منه الهم نظرا لأنه رأى برهان ربه. وكأن الكلام فيه تقديم وتأخير مثل قول اللّه عز وجل :(إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها". فهي لم تبد به أصلا لأن اللّه ربط على قلبها. وهنا يوسف عليه السلام لم يهم بها أصلا لأنه رأى برهان ربه. وهو قول له وجاهته.
وإن لم يصح هذا فالقول القول الآخر الذي لا ينبغي خلافه : هو أن يوسف عليه السلام حدثته نفسه لكنه لم يفعل شيئا. وأما ما يذكرونه أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم رأى صورة يعقوب، ثم أقدم ثم رأى كفه، ثم أقدم حتى دفعه جبريل بيده، فيوسف عليه السلام أبعد من ذلك.
والواجب على المسلم أن يعتقد تنزيه أنبياء الله تبارك وتعالى، وألا يقبل من الأخبار في حقهم إلا ماجاء في القرآن الكريم، أو صح عن النبي r.
الوقفة الثانية:
قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) فما المقصود ببرهان ربه؟
للمفسرين في ذلك أقوال عدة، منها:
أنه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله.
ومنها: أنه رأى كف يعقوب.
ومنها: أنه رأى آية ( ولا تقربوا الزنا).
ومنها: أنه رآها مكتوبة على جبهتها.
ومنها: أنه رآها مكتوبة على الحائط.
ومنها: أنه خرجت له كف مكتوب عليها (ولا تقربوا الزنا) ثم لم يمتنع ثم خرجت له كف مكتوب عليها (و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه) ولم يمتنع حتى جاء جبريل ومنعه وهذا كما قلت لا يليق بحال يوسف عليه السلام.
ومنهم من قال: إن جبريل دفعه بيده حتى هرب بعد ذلك.
ومنهم من قال: إنه كان هناك صنم في الغرفة وجاءت تغطيه فقال لماذا؟ قالت استحي من إلهي، قال وأنا أحق أن استحي.
هذه الأقوال مروية عن بني إسرائيل وليس عليها دليل صحيح، وليس لنا حاجة أن نعرف ما هذا البرهان ولو كان هناك حاجة لأخبرنا به اللّه سبحانه وتعالى. واللّه عز وجل أبهمه كما أبهم أسماء أصحاب الكهف، أو القرية…وغير ذلك، وإنما ذكرناها لأن هناك من يتساءل عنها ويثيرها.
والأمر المهم في ذلك أن الله تبارك وتعالى أكرم نبيه وحماه من الوقوع في المعصية بأن أراه هذا البرهان.
الوقفة الثالثة:
قوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها)وما قلناه في البرهان نقوله هنا، فلا حاجة للاستطراد فيما قاله المفسرون حول هذا الشاهد حتى نتربى ونتعود على هذا المنهج.
فما هذا الشاهد؟ هل هو رضيع؟ أم رجل كبير؟ أم القميص؟ هذا أمر لا يعنينا المهم أن اللّه وفقه ورأى هذا الشاهد على براءته ونزاهته عليه السلام.
الوقفة الرابعة:
قال يوسف عليه السلام(معاذ اللّه إنه ربى أحسن مثواي) ما المقصود بربي هنا؟ والمقصود هو العزيز وهذا اللفظ كان مستعملا عندهم ومثله قوله (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) وقوله (اذكرني عند ربك) كل هذه مقصود بها العزيز؛ فهو قد أحسن مثوى يوسف عليه السلام فلا يليق أن يخونه في أهله.
ولكن لماذا اعتذر بهذه الحجة ولم يخوفها باللّه والمانع الأقوى والحقيقي هو الخوف من اللّه؟ قالوا:لأن هذه المرأة قد استحكمت لديها الشهوة، فلو خوفها بالله عز وجل لم ترتدع، فأراد أن يصرفها عنه بأقوى مايعتقد أنه رادع لها، وقد كان يوسف عليه السلام يظن أن زوجها يملك قدرا من الغيرة يحمله على ردعها.
وهذا فيه درس : أن الإنسان يصرف الفتنة والسوء بما يناسب المخاطب، فقد يكون شخص ضعيف الإيمان فحين تحدثه عن الأمراض الجنسية والعقوبات الدنيوية التي يعاقب بها من وقع في الفاحشة كان أردع له، فينبغي أن يردع بما يردعه، ومع ذلك لابد من الاعتناء بتأصيل الخوف من الله والاستجابة له عز وجل.
كيف برأ الله يوسف عليه السلام:
هناك أمور عدة أظهرت براءة يوسف عليه السلام، منها:
أولها: تبرئة اللّه سبحانه وتعالى له (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) وأعظم بها شهادة وتزكية.
الثاني: الشاهد الذي شهد من أهلها (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين . وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين).
الثالث: العزيز نفسه فإنه قال (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين). وفي هذا دليل على أن العزيز يرى أن يوسف عليه السلام بريء من هذه التهمة.
الرابع: المرأة نفسها فقد قالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين). وفي الآية الأخرى ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)
الخامس: النسوة فقد قلن (حاش للّه ما علمنا عليه من سوء).
السادس: يوسف عليه السلام نفسه حين قال (معاذ اللّه إنه ربي).
وأخيرا: قالوا إن الشيطان قد شهد ليوسف عليه السلام بالبراءة فقد قال (فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين) . واللّه عز وجل قد شهد ليوسف عليه السلام بأنه من عباده المخلصين فقال ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين).
فقد حكم اللّه ليوسف أنه من المخلصين إن والشيطان قد أخبر أنه ليس لديه سلطان على هؤلاء المخلصين.
قوارب النجاة في قصة يوسف عليه السلام:
ما هي الأمور التي تمسك بها يوسف عليه السلام فكانت سببا بعد اللّه وتوفيقه لحمايته ولنجاحه في هذا الابتلاء؟
أولا: الخوف من اللّه عز وجل، والخوف من اللّه سبحانه وتعالى هو العاصم من الوقوع في أي معصية و أي فاحشة، فقد قال الرسول r: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله…وذكر منهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إن أخاف اللّه" فالإنسان قد تدعوه للمعصية مغريات لكنه عندما يعلم أن اللّه سبحانه وتعالى مطلع عليه، وأنه عز وجل يراقبه فلن يتجرأ على هذه المعصية قال تعالى :(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) ، وقال :(وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ .من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب).
فإذا أردت النجاة فربَّ في نفسك الخوف من اللّه سبحانه وتعالى فهذا أعظم مانع وحاجز ورادع للمرء من الإقدام على المعصية.
ثانيا: توفيق اللّه وإعانته، فقد قال سبحانه وتعالى (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) . فإنه لو لم ير برهان ربه لهمَّ بها. وقال اللّه عز وجل في آيه أخرى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) ، وتأمل كيف أن اللّه لم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء، بل قال :(لنصرف عنه السوء والفحشاء) ، فالسوء والفحشاء صرفت عنه وهذا أبلغ من أن يصرف عنها هو.
وكلما ازداد المرء توكلا باللّه وأخذا بالأسباب،كان ذلك أولى أن يحفظه اللّه ويعينه، وقد قال r لابن عباس رضي الله عنهما :"احفظ الله يحفظك" وحفظ الله تبارك وتعالى لعبده يشمل حفظه في أمور دينه وحفظه في أمور دنياه، والأول أتم وأولى.
الثالث: فراره من أسباب المعصية، فقد خاف من ربه، وحين رأى البرهان لم يقف بل فر وسابقها إلى الباب، وقد قميصه من دبر.
إن مفارقة الإنسان لموطن المعصية وفراره منه مما يعينه على تركها وهو دليل على تفويضه أمره لله عز وجل، ولذا فقد نصح الرجل العالم ذاك الذي أتاه يستفتيه وقد قتل مائة شخص، نصحه بأن يخرج من قريته فهي قرية سوء ومعصية، ويغادرها إلى قرية يعمرها الصالحون الأتقياء.
ولذا كان النبي r يقول في دعائه لربه :"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك"، فعلى الشاب المسلم الحريص على مجانبة معصية الله أن يبتعد عن أسباب المعصية وطرقها، وأن يتخلى عن كل ما يذكره بها أو يدعوه إليها، وليحذر من الثقة المفرطة بنفسه في هذا الباب.
الرابع: الدعاء، فقد دعا يوسف عليه السلام ربه فقال :(رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) سأل اللّه أن يصرف عنه كيد النسوة متبرئاً من حوله وقوته، ومسلمًّا أمره لخالقه ومولاه عز وجل.
وإذا كان يوسف عليه السلام لا يستغني عن دعاء اللّه عز وجل وسؤاله فغيره من باب أولى؛ فالدعاء هو الوسيلة التي يتصل بها المرء باللّه عز وجل، وقد قال عز وجل :(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجبِ دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، وفي آية أخرى :(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ، وقال r في حديث جامع: " ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه اللّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها"، فما بالك إذا كان هذا الداعي مقبلا على اللّه قد نفى عن نفسه الحول والطول؟ وما بالك إذا كان مضطرًّا؟ وقد وعد الله المضطر بإجابة دعائه (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ، وهل هناك أمر أكثر ضرورة للإنسان من حفظ دينه؟
إذاً ينبغي لنا أن ندعو اللّه عز وجل في كل شيء نريده في دينينا ودنيانا ومهما بلغ العبد من التقوى والطاعة والإقبال على اللّه عز وجل فإنه لا يستغني عن استهداء اللّه وسؤال التثبيت، أليس اللّه فد افترض على كافة عباده الأتقياء قبل الفجار أن يتوجهوا إليه كل يوم بقولهم (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم)؟
أليس اللّه يقول في الحديث القدسي "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"؟
وهاهو نبينا r يدعو اللّه عز وجل فيقول :"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ".
ويسأل النبي r ربه فيقول :" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ".
وقبله إبراهيم عليه السلام يدعو اللّه سبحانه وتعالى بعد أن حطم الأصنام وواجه من قومه ما واجه يقول (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) :إذا لا ينبغي أن نترك الدعاء أو نقصر فيه، ومهما شعر المرء بثباته وتقاه وطاعته فإنه لا يستغني أبدا عن دعاء اللّه تعالى أن يثبته وأن يعينه وأن يهديه إلى صراطه المستقيم.
الخامس: صلاحه وطاعته وتقواه وكان ذلك من أسباب توفيِق اللّه له (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين)". فكلما كان المرء مطيعا للّه حافظا لحدوده كان ذلك أدعى إلى أن يحفظه اللّه وأن يثبته على طاعته.
ومن هنا فازدياد المرء على الطاعة والعبادة وحرص الشاب على ذلك. هذا مما يؤهله لتوفيق اللّه وإعانته له بعد ذلك.
السادس: اختياره الأذى على فعل الفاحشة فهو يقول (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) يختار يوسف عليه السلام السجن ومرارته ولا أن يقع في هذه المعصية، فحينما وصل الأمر به إلى هذا الحد أعانه اللّه ووفقه، أما الأذى الذي ناله فهو أذى الدنيا وما هذه الدنيا إلا دار مصائب " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى).
وقد يستجيب المرء لداعي الفاحشة فيواقعها فتكون النتيجة بدلا من مقاساته الصبر على هذه الشهوة أن يقاسي بعد ذلك مرضا جنسيا يناله فيه من شقاء الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما حصله من تلك الشهوة العاجلة.
دروس أخيرة من القصة:
- ضرورة البعد عن أسباب المعصية، فيوسف عليه السلام بعد أن نجح واجتاز هذا الابتلاء استبق الباب وأصبح يريد أن يخرج من الباب فلا بد أن يبتعد الشاب عن أسباب المعصية.
- ضرورة التضحية والتحمل فمن الضروري أن يتحمل المرء في سبيل اللّه سواء ما يلاقيه من الدعوة إلى اللّه أو ما يلاقيه في طاعة اللّه أو ما يلاقيه في البعد عن المعصية.
- حسن العاقبة لمن اتقى الله وأطاعه، فهاهي المنزلة التي وصل إليها يوسف عليه السلام (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض). أما أجر الآخرة فهو خير وأبقى.
- مراقبة اللّه سبحانه وخشيته، وأثر ذلك في حماية العبد من المعصية.
- دعاء اللّه سبحانه وتعالى والاستعانة به واللجوء إليه.
- خطورة كثرة الخلطة؛ فإنها قد تكون مدعاة إلى الجرأة على الفساد، فالذي دعا امرأة العزيز إلى أن تصل إلى هذا الأمر وتدعو يوسف وترواده عن نفسه هو كثرة مخالطتها له، ومن هنا يجب أن يحذر الشباب من كثرة مخالطة من قد تكون مخالطته سببا ومدعاة إلى أن يقع في مثل هذه المعصية أو غيرها.
- عدم استغناء العبد عن اللّه سبحانه تعالى؛ فمهما بلغ من الإيمان والتقوى فإنه لا يمكن أبدا أن يستغني عن توفيق اللّه له وإعانته، فاللّه عز وجل يقول عن نبيِه صلى اللّه عليه وسلم :(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا). فإذا كان الرسول r لا يستغني عن اللّه سبحانه وتعالى ويحتاج إلى إعانته وتثبيته، فغيره من باب أولى، ومن هنا فمن أكبر المخاطر على العبد المطيع للّه هو غروره وإعجابه بنفسه وتقواه وطاعته فإن إعجابه بنفسه وثقته بها فهذا بحد ذاته ذنب يؤاخذ عليه وقد يؤاخذ عليه بذنب آخر.
والأمر الثاني: أن العجب مدعاة لأن يكله اللّه إلى نفسه فكأن هذا الإنسان الذي أعجب بنفسه يرى أنه مستغن عن اللّه ولا يحتاج إلى أن يدعو اللّه وأن الناس الذين يحتاجون إلى أن يسألوا اللّه الهداية والثبات هم الفساق، أما هو فقد من اللّه عليه بالهداية.
فإذا كان يوسف عليه السلام يحتاج إلى أن يريه اللّه برهان ربه وأن يصرف عنه السوء والفحشاء فغيره مهما بلغ من الإيِمان والطاعة لا يمكن أن يصل منزلة يوسف عليه السلام.
الثالث: أنه عندما يعجب بنفسه فلا يأخذ الأسباب؛ فالذي يجعل الإنسان يترك أسباب فعل المعصية ويجتنب كل دواعيها ومثيراثها هو أنه يخاف ولا يثق بنفسه ولا يطمئن إليها.
الرابع: أن هذا هو سبب أول معصية وقعت وهي معصية الشيطان؛ فإنه لما أعجب بنفسه أضله اللّه سبحانه إلى يوم الدين.
وقد قال صلى اللّه عليه وسلم " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يارسول اللّه قال ولا أنا".

العبودية لله طاعة وذل وحب

العبودية لله طاعة وذل وحب

الحمد لله ثم الحمد لله.
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا كما يحب ربنا ويرضى ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن الهادي محمدا عبده ورسوله ، جاء بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير أما بعد:
فإن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، وإن من هدي نبيكم r قولَه فيما أخرجه أبو داود عنه ؛ قال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)1 وقد ورد أيضا :(أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله)2 ، وإن كانت شعب الإيمان تبدأ بأعلاها وهي شهادة أنه لا إله إلا الله وتنتهي بإماطة الأذى عن الطريق فإن الحب في الله من المنازل العليا.
والناس تظن الحب في الله أمرا قلبيا محضا ، وهو أوسع بكثير فإنه ما يكون في القلب شيء إلا وينبعث منه إلى الجوارح أثر ، والناس إذا أخبرتهم أن فلانا من الصالحين يصلي ساعات في الليل استغربوا... وإن أخبرتهم أن فلانا لا يقرب المال الحرام تعجبوا... وان أعلمتهم عن همة عالم في طلب العلم دهشوا... وليس ذلك إلا من غفلتهم وبعدهم عن صحبة الصالحين. ذكروا عن الإمام البخاري رضي الله عنه أن دبورا لسعه مرات أثناء الصلاة فما تحرك له ، وتحدثوا عن عبد الله بن الزبير أنه كان يصلي في الكعبة فأتاه حجر من منجنيق الحجاج فذهب ببعض ثوبه فما انفتل معه ، ورووا عن فلان من شهداء لا إله إلا الله أنه أقبل على الموت بوجه مشرق وابتسامة عريضة ؛ فكاد البعض يتساقط على الأرض هلعا وجبنا كما تتساقط أوراق الخريف من على الشجر اليابس ، وكأنه هو المصلوب في سبيل الأيمان أو المفتون ببريق السيوف. إن أهل الغفلة مع الدنيا في صحبة ، ومع الله في إعراض ، ولقد أضحكني وآلمني تفكير شاب قليل العلم بآداب الصحبة مع الله ذكر له أصحابه أن أحدهم كان صائغا للذهب وكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء للصلاة لم يردها بل ألقاها لا من جهةِ وَجهِهِ بل إلى قفاه لأن ذلك أسرع في وصولها إلى الأرض ، وأسرع في قيامه إلى الصلاة ؛ قال الفتى: أو ذاك معقول!! فقلت: ولماذا لا يكون معقولا فزع ذلك الرجل إلى الصلاة ويكون معقولا فزعك إلى هوى نفسك فلا يفوتك النظر إلى أية فتاة تمر من أمام محلك بعينيك اللتان تتحولان كالرادار تستشفان الكاسيات العاريات من وراء الواجهات الزجاجية ، ولماذا لا يكون معقولا أن يقطع أهل التشمير آلاف الأميال في طلب حديث واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكون معقولا أن يذهب آلاف من شباب المسلمين آلاف الكيلومترات إلى قارة أخرى ليطلبوا شهادة دنيوية بعضهم يحوزها وكثيرون يفقدون الشهادتين ، ولماذا لا يكون معقولا أن يخر رجل صالح ميتا لآية من كتاب الله صدعت قلبه ويكون معقولا أن تتصدع قلوب كثيرين من الناس من أجل ارتفاع سعر أو ذهاب صفقة تجارية أو نزول وصعود الدولار ؛ فيصيب أحدهم شلل والآخر جلطة والثالث يذهب عقله فلا يعود. طول الغفلة أيها الناس أرانا السقم صحة والمرض عافية ، وعقيدة لا إله إلا الله ظنها البعض قولا باللسان وهو ما بينا بطلانه في الخطبتين السابقتين ، والبعض ظنها أعمالا لا روح فيها ، وهو ما يحتاج إلى بيان ؛ فإن مدار صلاح العمل قائم على النية ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى)3 ، ولكن النية هي نتيجة عقيدة صالحة فبعض العباد لهم نية صالحة وأعمال طيبة ولكنهم يحسون بشيء مفقود يبحثون عنه فلا يجدونه ، وسمعت من يقول: أنا أقوم بالفرائض ولا أقرب المحرمات ولكني ما شعرت يوما بهذا الخشوع العميق الذي يتحدثون عنه وأرى البعض يبكون إذا سمعوا بعض أخبار الصالحين فما تسقط لي دمعة ، ويسمع غيري أخبار اضطهاد المؤمنين في الأرض فتراه كالأسد الهصور ؛ همة ونية واعتقادا والتزاما ، وغيري يسمع بالآية أو الحديث فيه أمر أو نهي أو استحباب فتراه أسرع إليه من إسراع الظامئ إلى الماء الزلال ولا تراني مثله إلا بعد نقاش طويل وجدال عقيم و إفحام ولا أكون مثله! فما الذي ينقصني؟ والجواب: لقد فاتك يا أخي ركن من أركان العبودية ، وهو الحب لله. ما الدليل على ذلك؟ إنه قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)4؛ ففاقد الحب لله لا يمكن أن يحوز خصال الأيمان العالية ، وهو على خطر ، والتحذير شديد! فالآية تشير إلى فقدان الحب لله عند أصحاب الردة ومن مفهوم المخالفة يكون المعنى: إن الحب لله لا يوجد إلا عند أصحاب المقامات الإيمانية العالية. أما النبي صلى الله عليه وسلم فيقول في الحديث الصحيح : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الأيمان ؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ؛ ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ؛ ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار )5 وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)6 وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يا رسول الله ، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ؛ فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ؛ فقال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي ؛ فقال: الآن يا عمر)7. أما الإمام الغزالي فيقول في كتاب المحبة من الإحياء : اعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فرض ، والطاعة تبع الحب وثمرته ؛ فلا بد أن يتقدم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب ، وساق شواهد كثيرة من الآيات والأحاديث ؛ منها الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)8. إن لا إله إلا الله لا تنبعث من قلب لا عبودية فيه لله ، ولا عبودية حقة من دون حب عميق.
يقول ابن تيمية رحمه الله: (العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى وغاية المحبة له) ويقول في موضع آخر: (إنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده ، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا ، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك ، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك ، وكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمعَ وصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله) ؛ أما صاحب المدارج الإمام ابن القيم فيقول: (أصل العبادة محبة الله ؛ بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه). إذا فالحب لله من لوازم العبودية وبدون الحب تصبح الأعمال جافة لا روح فيها ، وأصل الحب لغة من الصفاء أو من الحب الذي هو إناء واسع يوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسع غيره ، ومثلُ غير ذلك. والناس يتكلمون عن حب الله وربما لم يعرفوه ؛ حتى أن ثوبان ابن إبراهيم أحد مشاهير الزهاد تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة! لا تسمعها النفوس فتدعيها ، وقد ذكر ابن القيم أن المحبة هي ميلك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه ، وباختصار هي مصاحبة المحبوب على الدوام. ألا ترى إلى من صاحب الصالحين فما أطاق بعدها أن يفارقهم وهامت روحه معهم فقال:
ومن عجب أني أحن إليهـــم وأسأل عنهم من لقيتُ وهم معـي
وتطلبهم عيني وهم في سـوادها ويشتاقهم قلـبي وهم بين أضـلعي

هذا ثوبان رضي الله عنه كان شديد الحب لله ورسوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن ؛ فقال له المعلم الهادي صلى الله عليه وسلم 9: (يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي وجع ولا ضر غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ولولا أني أجيء فأنظر إليك لظننت أن نفسي تخرج ؛ ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك لأني عرفت أنك مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا فيشق ذلك علي وأحب أن أكون معك) ؛ فأنزل تعالى قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما)10.
وهذا الحب يدفع بصاحب رسول الله عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه فيشمخ في وجه إغراءات المال والنساء واللآلئ ولا يرهبه التهديد بصلبه ؛ فيؤتى بالقدر العظيمة التي يغلي فيها الزيت ويلقى فيها الأسير فتتفتت عظامه فيبكي ابن حذافة ؛ فيظن هرقل أنه قد جزع من الموت ويسأله: مالك بكيت؟ فيقول: وددت لو أن لي مائة نفس فتموت في سبيل الله مثل تلك الميتة! إن الموقف ليس موقف شجاعة بشرية ولا حماسة دافقة ؛ الموقف موقف إيمان مازج الروح وخالط الدم ، وحب شديد لله تعالى.
وذلك الأعرابي الذي سألَ إن كان الله تعالى يقبل التوبة ويغفر الذنب فبُشر بذلك ؛ فانصرف ملتاعا واضعا يديه على رأسه يقول: يا رب ... واخجلتاه منك وإن غفرت!! وهل يبعث على ذلك إلا الحياء الشديد مع الحب الدافق الحي.
إن كثيرا من آفات قلوبنا وأمراضنا ترجع إلى خفوت حب الله ورسوله في قلوبنا ، وهو من أوثق عرى الأيمان. وما بين شعب الأيمان التي تبدأ بلا إله إلا الله وتنتهي بإماطة الأذى عن الطريق ؛ بضع وسبعون شعبة لا بد لها من خوف الله والطمع برحمته ، ولا بد لها من محبة سائقة تعين على مشقة الطريق ومجاهدة النفس ، والبعد عن أهل الغفلة ، والتشمير مع المجدين. إن الحب أمر قلبي ولكن الجوارح كلُّها أسيرة للقلب تسير بسيره وتقف لوقوفه. والقلب يحتاج إلى الحب الذي يملؤه فتشرق منه الأعمال الصالحة والأخلاق الزكية والنفوس الرضية.
إني رأيت الدهر ليلا حالكا فجعلت حب الله فيه ضيائي
فأين ضياؤكم يا أبناء وبنات الإسلام؟
إن الحب يحتاج إلى المعرفة وكيف تحب شيئا لا تعرفه ؛ أما سمعتم الحسن البصري يقول: من عرف ربه أحبه.
والمعرفة تحتاج إلى علم ؛ أما سمعتم قول الله عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)11.
والعلم يحتاج إلى إخلاص ؛ أما سمعتم نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه)12.
والإخلاص يحتاج إلى تجرد ؛ أما رأيتم أبا بكر رضي الله عنه لما طُلِبَ المال للجهاد خرج من كل ماله فسألوه عما أبقى لعياله؟ فقال لهم : أبقيت لهم الله ورسوله!13
والتجرد يحتاج إلى عزيمة ؛ أما تذكرون نبيكم صاحب العزم صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن غلبة الدين وقهر الرجال)14.
والعزيمة تحتاج إلى صدق ومجاهدة وقيام ليل واستغفار وحضور مجالس العلم وترويض النفس على مخالفة الهوى وترك أهل الغفلة وصحبة الصالحين ، والتفكر بالموت والبذل لله وعدم الخشية ممن لا يخشاه ، وكلها أعمال إن حرصتم عليها وعودتم عليها جوارحكم انبعث منها إلى قلوبكم أثر ولا بد فتبقون في خير أبدا.
إن محبة الله تعالى تملأ النفس سكينة ورضا وتملأ الحياة نورا وسعادة ، وتملأ المجتمعات البشرية تفاهما وتراحما وتكافلا ومن حرم تلك النعمة لابسه الشقاء ؛ فهو عن الله بعيد.
إني رأيت الدهر ليلا حالكا فجعلت حب الله فيه ضيائي
فأين ضياؤكم يا أبناء وبنات الإسلام؟
لتعلموا أن صولات الباطل لا تطفئ نور الله ، وأن تواطؤ الدول على ذبح الأطفال واغتصاب النساء في البوسنة والهرسك لا يزيد المسلمين إلا وعيا ، وأن الإبادة الجماعية للمسلمين في بورما والمذابح في كشمير وسيف التنصير في اندونيسيه وأفريقية ، ومكر اليهود الخبثاء وجولات وزير خارجيتهم الأفاك في الهند والصين ومباحثاته هناك للتفاوض على تطويق الصحوة الإسلامية وطلب (إسرائيل) من الصين ألا تزود بعض الدول الإسلامية بالسلاح15 وإصدار إحدى الدول قرارا بمنع المحجبات من العمل في الدوائر الرسمية إحياء لسنن اليهود أول من خلعوا الحجاب عن امرأة مسلمة ، واضطهاد شعب العراق على يد جلاديه وتجويع الأطفال وإبادة الأكراد وفتح السجون في فلسطين لشباب الأمة وفتياتها واغتيال الأطفال واستمرار مأساة المبعدين في مرج الزهور ، وكل الكيد والحرب على الإسلام ؛ كل تلك الأمور ما كانت لتطفئ نور الله ؛ بل إن الصحوة الإسلامية تشتد وتقوى والإسلام يعلو ولا يعلى عليه وكل ما يفعله الحاقدون على الإسلام دليل فشل ذريع لهم (والله متم نوره ولو كره الكافرون)16 وسنة الله في الابتلاء والتمحيص والتمكين والنصر لا يفهمها إلا المشمرون في المحبة.
إن الدول الاستعمارية التي تضطهد المسلمين اليوم وتشتتهم وتتربص بهم ؛ إنما تسير مسيرة فرعون الأول الذي أراد أن يقتل الأطفال فربى الله نبيه موسى في قصره إذلالا لكل فرعون وإرغاما ، وصحوة الإسلام لا يستطيع أن يوقفها أحد ، وإنما تحتاج إلى بصيرة حتى تعرف ، وكما تدرب الأمم جيوشها التدريب الشاق المتعب فتقطف ثمار ذلك نصرا مبينا ؛ كذلك يبتلي الله ويدرب ويربي حملة دينه فيصطفي منهم من يريد ؛ كان ذلك حتما مقضيا! (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)17.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..






الإحالات :

1- أبو داود ، السنة 4681 وهو حسن الإسناد.
2- أبو داود ، السنة 4599. والحديث ضعيف ، وإن شهد له الحديث الذي جاء قبله ، لذا فننصح بعدم الاستشهاد به ، وقد استشهدنا به في الخطبة المسجلة قبل العلم بضعفه ، وبينا الأمر هنا.
3- البخاري ، بدء الوحي 1.
4- المائدة 54.
5- البخاري ، الإيمان 16.
6- مسلم ، الإيمان 44.
7- البخاري ، الأيمان والنذور 6632.
8- سبق تخريجه : مسلم ، الإيمان 44.
9- ذكر الإمام القاسمي في محاسن التأويل عدة روايات لهذا الحديث بعضها ضعيف ، ولكنه قال أن الحافظ أبو عبد الله المقدسي رواه في كتابه (صفة الجنة) بإسناد قال فيه: لا أرى به بأسا.
10- النساء 69-70.
11- فاطر 28.
12- النسائي ، الجهاد 3140.
13- الترمذي ، المناقب 3675. وقال هذا حديث حسن صحيح.
14- البخاري ، الجهاد والسير 2893 ، وأبو داود ، الصلاة 1555، واللفظ له.
15- أخبار تناقلتها وكالات الأنباء قبل أيام قليلة.
16- الصف 8.
17- فاطر 43.
منقول

العاطفة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد ...
مدخل:
حديثنا هذه المرة حديث ذو شقين : ـ
حديث حول الإهمال، وحديث حول الإغراق .
وقبل أن ندخل في موضوعنا، لابد لنا أن نقف وقفة سريعة عجلى حول ما قاله بعض أئمة اللغة حول معنى هذا المصطلح الذي شاع حول حديثنا وصار على لسان الصغير والكبير .
يقول ابن فارس " العَطفُ أصل صحيح، يدل على انثناءٍ واعوجَاج، يُقال عَطفتُ الشَيء إذا أَمَلتَه، وانعَطَفَ الشَيءُ إذا انعاَج، وتَعطَّفَ بالرحمة تعطُّفا، والرجل يَعطِفُ الوسادة يُثنيها، ويقال للجانبين العطفَان " .
وقال في اللسان " وتَعطَّف عليه أي وصلَه وبرَّه، وتَعطَّف على رَحِمِه رقَّ لها، والعَاطِفَة الرحِم صفة غالية، ورجل عَاطِف وعَطَوف عائد بِفَضْله حَسَن الخُلق " .
قال الليث " العَطَّاف الرجل الحَسَن الخُلُق العَطُوف على الناس بِفَضلِه وعَطَفتُ عليه اَشْفَقْتُ" .
وهكذا نرى أن " المعنى اللغوي " لا يبتعد كثيراً عما يُطلق عليه بالمصطلح المعاصر " العاطفة " وإن كانت أخذت مدًى أبعد من ذلك .
فحين تُطلق العاطفة فإنها " تطلق على تلك المشاعر المتدفقة السيَّالة التي تدفع الإنسان لاتخاذ مواقف من القبول والرفض، أو الحب أو الكره، تُطلق على تلك الحماسة التي تتوقَّد في نفس صاحبها، لقبول هذا العمل أو رفضه " .
وصار الحديث كثيراً حول العاطفة حديث الرفض، وحديث الانتقاد، فصار يكفي أن تجرح فلاناً من الناس أن تصفه بأنه " صاحب عاطفة " أو بأنه " صاحب حماس " أو كما يُقال " متحمِّس "، صارت كلمة جرح مطلقاً، وهذا يعني أن فاقد العاطفة وفاقد الحماس هو الرجل الأولى بالتعديل .
إننا ومع شعورنا " بإغراق " بل ومزيد من الإغراق في العاطفة ومع شعورنا بأن ثمَّة مواقف تدفع إليها العواطف كثيراً لابد أن نحجِّمها ونحُد منها، إننا مع ذلك ينبغي ألاَّ نهمل دور العاطفة وألاَّ نقع في خطيئة الإهمال لها .
إهمال العاطفة:
إن الدعوة إلى إهمال العاطفة كما قلنا، دعوة بحاجة إلى مراجعة وإلى إعادة النظر لأمور منها:
أولاً: أن العاطفة خلقها الله في الإنسان أصلاً، فقد خلق الله الإنسان يحمل مشاعر وعواطف من الحب والكره، والقبول والرفض والحماس .
فالدعوة إلى إلغائها دعوة إلى تغيير خلق الله، والدعوة إلى إلغائها أنها خُلقت عبثاً، وحاشى لله عز وجل أن يكون في خلقه عبث، فهو سبحانه ما ركَّبَ هذه العاطفة في نفس الإنسان إلا لحكمة، ولمصلحة لابد أن تتحقق من ورائها .
ثانياً : يتفق العقلاء من الناس على وصف فاقد العاطفة بأنه رجل شاذ؛ فالرجل الذي لا تتحرك مشاعره، فلا يرقُّ قلبه لمشهد يثير الرقة والعطف، ولا يملك مشاعر الحب تجاه الآخرين أو مشاعر الرفض تجاه من يُرفَض، الرجل الذي لا يمكن أن تتوقَّد في قلبه حماسة أيًّا كان الموقف، لاشك أنه رجل شاذ فاقد للإحساس والعواطف .
بل إن الناس يرون أن الرجل الذي لا يحس بالجمال، ولايتذوق الجمال في هذه الدنيا، رجل شاذ، فهو وصف مخالف للفطرة السوية، ولهذا ( حين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يقبِّل صغيراً، قال :تقبِّلون صغاركم ؟! قال صلى الله عليه وسلم "أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة ؟").
إنه رجل شاذ بعواطفه، إنه رجل كما قال صلى الله عليه وسلم:"قد نُزعت من قلبه الرحمة" فصار تصرفه وصار سلوكه، سلوكاً غير مرضيٍّ، وسلوكاً مرفوضاً، يستنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الصحابي رضوان الله عليه، أن لا يملك في قلبه الرحمة، والرقة والعاطفة تجاه هؤلاء الصبية الصغار، فصار لا يُقبِّل أحداً منهم .
ثالثاً : حين نقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجد مواقف شتى تدل على هذا المعنى وسواءً سميناها عاطفةً أو لم نسمها كذلك فلا مُشاحة في الإصطلاح، ولا يجوز أبداً أن نقيم جدلاً وحرباً حول المصطلحات والألفاظ، سمها ما شئت المهم إنها تعني الذي نريد، وإن اصطلحنا نحن على تسميتها بالعاطفة فإن هذا لايعني أن وصف العاطفة لفظ تهمة أصلاً ولفظ جرح، يتردد المرء من أن يصف به فلاناً من الناس فضلاً أن يصف به محمداً صلى الله عليه وسلم .
وإن اخترت أن تبحث له عن لفظ غير هذا فأنت وما تريد لكنا نحن نريد المعنى ولسنا نقيم جدلاً حول هذا المصطلح وحول هذا اللفظ .
النبي صلى الله عليه وسلم كان يملك هذا الشعور: يملك هذا الشعور مع زوجاته، ففي حجة الوداع تأتي زوجه عائشة رضي الله عنها وقد حاضت ولم يتيسر لها أن تأتي بعمرة قبل الحج فتأتي النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: يذهب الناس بحج وعمرة وأذهب بحج؟ ثم تلحُّ عليه صلى الله عليه وسلم، يقول جابر: وكان رسول الله عليه وسلم إذا هوت أمراً تابعها عليه، ويواعدها صلى الله عليه وسلم المحصَّب أو الأبطح ثم تذهب مع أخيها فتعتمر فتأتي إليه صلى الله عليه وسلم فيُوقظ صلى الله عليه وسلم ثم يقول "أفرغتم؟" فتقول: نعم؛ فيؤذن أصحابه بالرحيل .
وفي موقف آخر أبعد من هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزاة ففقدت عقداً لها رضي الله عنها وحبس النبي صلى الله عليه وسلم الناس يبحثون عن هذا العقد، ويأتي أبوبكر الصديق رضي الله عنه إليها والنبي صلى الله عليه وسلم نائم على حجرها فيقول : ( حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟! ) قالت: ( فما يمنعني أن أتحرك إلا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ) حتى آيسوا من هذا العقد فلما أقاموا البعير وجدوه تحته !!، وتدركهم الصلاة وليسوا على ماء، فتنزل آية التيمم فيقول أسيد رضي الله عنه: ( ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ) .
إن النبي صلى الله عليه وسلم يحبس الجيش كله، ويبقيه يبحث عن هذا العقد، والقضية ليست قضية رجل يتعلق بالدنيا حاش وكلا، إنما هي مراعاة لمشاعر تلك المرأة، فيحبس النبي صلى الله عليه وسلم الجيش ويحبس الناس، ويأتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه غاضباً إلى عائشة لأنها حبست الناس ويبقيهم صلى الله عليه وسلم حتى أدركتهم الصلاة وليسوا على ماء وليس معهم ماء .
وتأتي رضي الله عنها تنظر الى أهل الحبشة وهم يلعبون في المسجد ويقف صلى الله عليه وسلم يسترها وهي جارية لا يمل حتى تمل اللعب وتنصرف، فينصرف صلى الله عليه وسلم .
ونرى أيضاً هذا الخُلق عنده صلى الله عليه وسلم وتلك الرَّقة مع الأولاد فيأتي إليه الصبيِّ فيُقبّله صلى الله عليه وسلم فيعترض عليه رجل جالس عنده، فيقول : ( تُقبِّلون الصبيان ؟ إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم ) ، فيقول صلى الله عليه وسلم : "أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة".
وفي الحديث الآخر ـ أيضاً ـ يقول صلى الله عليه وسلم "من لايَرحَم لا يُرحَم" .
ويُؤتى بالنبي صلى الله عليه وسلم وصبيٌّ يحتضر وروحه تقعقع فيحمله صلى الله عليه وسلم ثم تنزل قطرات من الدمع من عينيه صلى الله عليه وسلم ويتساءل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يتساءلون كيف لهذا القلب الكبير أن يرق ؟ كيف لهذا القلب الكبير أن يحمل هذه العاطفة لمثل هذا الصبي فيُقال ما هذا ؟! فيقول: ( هذه رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده ) .
ويموت ولده إبراهيم ويبكي صلى الله عليه وسلم ويقول: ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .
في حين يأتي أحد المتصوفة ويرى أنه سيبلغ هدياً أكمل من هدي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يشعر أنه قد أُمر بالصبر على فقدان أولاده والرضا لهم، فحين يموت ولده يقوم هذا الرجل يرقص على قبره !!، فرحاً بهذه المصيبة، ويظن أنه قد بلغ من الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره منزلة عالية .
بينما هو قد فقد تلك المنزلة العالية التي سما إليها النبي صلى الله عليه وسلم حين يجمع بين الصبر والرضى بقضاء الله عز وجل ويجمع بين الرحمة والرقة والعاطفة، التي لا يفتقدها إلا إنسان شاذ .
ويأتي الحسن والنبي صلي الله عليه وسلم يصلي ساجداً، فيصعد على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى النسائي من حديث عبد الله بن شداد رضي الله عنه فيطيل النبي صلى الله عليه وسلم السجود، حتى يقوم هذا الغلام فيسأله أصحابه فيقول:"إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم حتى يقضي حاجته" .
ويدخل وهو يخطب صلى الله عليه وسلم فينزل صلى الله عليه وسلم من على منبره ثم يحمله ويعود إلى خطبته ويقول :"إن ابني هذا سيِّد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين".
وتتجاوز رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وعطفه بني الإنسان إلى البهيمة والحيوان، فيروي عبدالله بن جعفر عنه صلى الله عليه وسلم أن أحب ما استتر إليه لحاجته هدف أوحائش نخل، فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجل من الأنصار فإذا به جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دفراه فسكت فقال صلى الله عليه وسلم:"من رب هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟" جاء فتى من الأنصار فقال :لي يارسول الله ,فقال له :" أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكَّك الله إياها فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه" رواه أبو داوود .
وفي حديث آخر عند أبي داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن أبيه قال : " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمَّرةُفجعلت تفرش فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من فجع هذه بولدها ؟! ردوا ولدها إليها" .
أرأيتم ذلك القلب الكبير، ذلك القلب العظيم، الذي لم تقف رحمته عند حدود زوجته أو عند حدود رعيته، أو حتى عند الأطفال لتتجاوز إلى الحيوان، فيكلم النبي أحد أصحابه في شأن جمل له يجيعه ويذله وكأن هذا الجمل يشعر ويرى هذا القلب الرحيم حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذرف عيناه مرسلة رسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الرحمة المرسَلِ رحمةً للعالمين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
فهو رحمة للناس من عذاب جهنم ومن فيح جهنم، وهو رحمة للناس في أمور دينهم وهو صلى الله عليه وسلم رحمة حتى على هذه البهائم، ولهذا يصفه الله عز وجل فيقول
( فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ .............الآية.( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )
ويصفه حسَّان رضي الله عنه بأوصاف يعجز عنها البلغاء : ـ
وأجمل منك لم ترى قط عيني وأحسن منك لم تلد النساءُ
خُـلـقـتَ مـبرءاً مـن كـل عـيب كأنك قـد خُلقت كما تشـاءُ



كان عطوفاً عليهم رؤوفاً بهم صلى الله عليه وسلم ولهذا لاغرو أن يقولوا حين دفنوه صلى الله عليه وسلم : " ما إن نفضنا التراب عن أيدينا حتى أنكرنا قلوبنا " وكيف لا ينكرون قلوبهم... لقد غيبوا علماً وحلماً ورحمةً عشـية واروه الـثـرى لا يـوســدُ
وراحوا بحزنٍ ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهورٌ وأعضدُ
ووصف r شاعر آخر فقال:
وإذا رحـمـــت فـأنـت أمٌّ وأبٌ هـذان في الدنيا هما الرحماءُ
وإذا خـطـبـت فـللـمـنابـر هزةٌ وإذا وعظـت فللـقـلـوب بكاءُ
وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ لله .. لاحـقـــدٌ ولا شـحـنــاءُ
هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب القلب الكبير، القلب الرحيم العطوف الذي مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم من عبء الرسالة وهم حمل هذه الديانة والشريعة إلى البشرية كلها مع ذلك كله يجد في قلبه صلى الله عليه وسلم الغلام مكاناً له، والحيوان يجد مكاناً له لرأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم .
أفبعد ذلك كله نطالب الناس أن يتجردوا عن عواطفهم ومشاعرهم وعما جبلهم الله عز وجل عليه
رابعاً: للعاطفة أثرها الذي ينكر في إذكاء حماسة المسلمين للجهاد في سبيل الله ونزال العدو، لقد وقف المسلمون في غزوة مؤتة حين بلغهم جمع الروم وقفوا يتشاورون ماذا يصنعون ؟ هل يطلبون مدداً من النبي صلى الله عليه وسلم أم يرجعون ؟
قال ابن اسحاق ثم مضوا حتى نزلوا معانا من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليه من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم عليهم رجل من بلي ثم أحد أراشة يقال له مالك بن رافلة وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، قال: فشجع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة، قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس.
وقال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله ابن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فو الله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه :
إذا أدنيتني وحملت رحليفشأنك أنعم وخلاك ذم وجاء المسلمون وغادروني وردك كل ذي نسب قريبهنالك لا أبالي طلع بعل

مسيرة أربع بعد الحساءولا أرجع إلى أهلي ورائيبأرض الشام مستنهى الثواءإلى الرحمن منقطع الإخاءولا نخل أسافلها رواء
قال زيد فلما سمعتهن منه بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل.
وكأنك ترى في حال هذا الصحابي الجليل وقد خرج عقد العزيمة ألا يعود ويسأل الله عزوجل أن يخلفه المسلمون بأرض الشام .
وحين قُتل صاحباه وتقدم، تردد وتلكأ فقال أبياتاً يستحث فيها نفسه : ـ
أقـسـمـت يـانـفـس لـتـنـزلـنهإن أجلب الناس وشدوا الرنة

لـتـنـزلـنــهْ أو لـتـكــــرهـنهْ مالي أراكِ تكرهين الجنة ؟
فيخاطب نفسه بهذه الأبيات ثم يدفعها إلى ميدان الشهادة، فيمضي رضي الله عنه مع صاحبيه وهكذا حين تقرأ في السيرة أنه قبل المعركة يجمع القائد جنده وجيشه فيخاطبهم ويحمسهم ويحثهم على الاستشهاد في سبيل الله ويبين لهم فضل الشهادة وفضل الجهاد في سبيل الله، حتى يوقد حماستهم وعزيمتهم إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل أيسوغ بعد ذلك أن ندعوا إلى إلغاء الحماسة والعاطفة وهو يفعل فعله في النفوس ؟
خامساً: العاطفة شيء مهم في التربية، وحين يفقد المربي العاطفة، فإنه ينشأ شاذاً وهي صورة نراها فيمن مات أبوه أو ماتت أمه، وتربى عند زوجة أبيه أو عند غيرها من النساء التي لاتشعر تجاهه بشعور الأم الحنون، كيف ينشأ هذا الشاب ؟.
ذلك أن ثمة حاجة ملحة لهم فقدوها ألا وهي الحنان والعاطفة، ولهذا يتربى هذا الشاب بعقل أبيه وحجر أبيه ويتربى ـ أيضاً ـ بعاطفة أمه .
ولحكمة بليغة خلق الله عز وجل العاطفة في الأم، عاطفة تذوب عندها أي عاطفة تلتقي في نقطة اتزان مع عقل الأب وحصافته فيعيش الشاب ويعيش الطفل بين هذين الخطين المتوازيين فيعيش متوازياً مستقرًّا .
وحين يُشدُ أحد الخيطين أكثر من صاحبه، أو يفقد أحدهما فإنه يعيش عيشة غير مستقرة، ومن ثم فلا غنى للصغير عمن يحوطه بالعاطفة، وعمن يحنّ عليه ويشفق عليه .
وحين ينشأ خلاف ذلك فإن الغالب فيه أن ينشأ فاقداً لهذا الأحساس، وفاقداً لهذا الشعور .
إننا مع ذلك كله نسمع من يدعو إلى إلغاء العاطفة، بل من يُدرج العاطفة ضمن مراتب الجرح، فيصف فلاناُ بأنه صاحب عاطفة، أو بأنه متحمس، وكم نرى العتبى واللوم على ذاك الذي أغاظه انتهاك حرمة من حُرم الله عز وجل فدارت حماليق عينه وغضب لله عز وجل، حينئذ يوصف بأنه متحمس، طائش، وبأنه لا يحسب عواقب الأمور .
أما ذاك الذي يرى المنكرات ويرى مصائب المسلمين ويرى جسد المسلمين يُقطع إرباً إرباً ومع ذلك لا تهتز مشاعره، ولا تتحرك عواطفه، ذاك يوصف بأنه رجل حكيم حصيف لبيب يضع الأمور في مواضعها !!
إنني أحسب أن هذه قسمة ضيزى، أحسب أن هذا جوراً في الحكم .
ولقد كان الغضب والحمية لدين الله عز وجل خُلقاً عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قبل ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، كان صلى الله عليه وسلم هيِّناً سهلاً ليِّناً فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء ويوصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا يتناشدون الشعر فإذا أريد أحدهم على دينه ( دارت حماليق عينه ) أليس هذا تعبيراً عن الغضب والغيرة لحرمات الله عز وجل فكيف نصنع بتلك المواقف من سلف الأمة التي وقفوا فيها غضباً وحمية لدين الله عز وجل وقالوا كلمة الحق مدويَّة مجلجلة واضحة صريحة ! قالوها ولا شك أن الذي دفعهم لذلك الحماس والغضب لله .
نعم لكنها عاطفة صادقة و حماسة صادقة، فالمطالبة بإلغاء الحماسة والعاطفة، مطالبة بتغيير خلق الله عز وجل، وتغيير سجية فطر الله سبحانه عباده عليها .
وكما أننا ننكر على من يكون دافعه ووقوده الحماس والعاطفة وحدها، فإننا أيضاً ينبغي أن ننكر وبنفس القدر على ذاك المتبلد الحس، الذي يرى مصائب المسلمين، ويرى دماء المسلمين تجري ويرى حُرُمات الله تُنتهك ويرى دين الله عز وجل يُنقض عروة عروة، ومع ذلك لا يحرك فيه ساكناً، ولا يثير فيه حمية، ولا يغضب لله عز وجل .
ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الشق الثاني، وهو :
الإغراق في العاطفة :
إن الوسط سنة الله عز وجل في الحياة، فالمسجد الذي نصلي فيه، حين يزداد فيه التبريد يصبح حدًّا مزعجاً، لا نطيق الصبر عليه، وحين ينقص عن القدر المعقول، يؤلم الناس الحر، ويزعجهم فلا يُطيقون الصبر عليه . وهكذا الطعام حين يكون بالغ العذوبة لا يستسيغه المرء، وحين يكون بالغ الملوحة كذلك، وشأن الله عز وجل في الحياة كلها " الوسط " .
والتطرف أمر مرفوض، و دين الله عز وجل قائم على الوسط.
وهو وسط بين الغلو والجفاء، فكما أن إهمال العاطفة وإلغائها أمر مرفوض، فالإغراق فيها والتحليق في التجاوب معها هو الآخر أمر مرفوض وينبغي أن نكون وسطاً بين هذا وذاك .
وإن كنا أفضنا في الحديث عن الشق الأول إلا أنني أرى أننا ـ معشر جيل الصحوة ـ أحوج ما نكون إلى الحديث عن الشق الثاني وهو الإغراق في العاطفة .
فنحن نعاني من إغراق في العاطفة، تختلف في صورها ومظاهرها، ومجالاتها .
الصورة الأولى:
أن تحكمنا العاطفة في الحكم والتقويم، فحين نحكم على فلان من الناس، سلباً أو إيجاباً، وحين نحكم على عمل من الأعمال الإصلاحية، والأعمال الإسلامية، وحين نقوَّم الناس، فإننا لا يسوغ أن نندفع وراء عواطفنا، فنفرط في المدح والثناء، ونُحلِّق في أجوائها بعيداً عن الرؤية الأخرى ـ أي جوانب القصور، وجوانب الخلل ـ .
فلا يسوغ حين نقوَّم أعمالنا وجهودنا، أن تكون العاطفة هي المعيار الأوحد للتقويم والحكم، ومن يحكَّم العاطفة في حكمه، لابد أن يكون شخصية متطرفة إما ثناءً أو ذمًّا، إما سلباً أو إيجاباً.
كثيرة هي الأحكام التي نطلقها من وحي العاطفة فقط، في أحكامنا ومواقفنا من الرجال والأعمال والجهود والمواقف، كثيراً ما يكون الحاكم الأول والأخير، والقاضي والشهود والمدعي هو العاطفة وحدها.
وحينئذ لابد أن يكون الحكم حكماً جائراً، حكماً بعيداً عن العدل، إننا ومع تأكيدنا على أن الثناء على من يُحسن أمر مطلوب، وأن الإعجاب بمن يستحق الإعجاب أمر لا يُدعى إلى إلغائه والتخلي عنه. لكننا مع ذلك لا يسوغ أن نُفرِط، ولا يسوغ أن تحكمنا العاطفة وحدها في ذلك، وكثيراً ما تتحكم العاطفة في تقويم مواقف كثيرة من مواقف العمل الإسلامي، فتقود إلى نتائج مؤلمة .
اضرب لكم مثالاً : تجربة عشناها، كنا أغرقنا فيها، وتجاوبنا فيها مع العاطفة أكثر مما ينبغي، تجربة الجهاد الأفغاني، لقد بدأ هذا الجهاد، وقد نسيت الأمة الجهاد كله، بدأ وقد ضرب على الأمة الذل والهوان، وظنت الأمة أنها لن تعرف الجهاد ولن ترى الجهاد.
وصار حتى الذين يُدرِّسون الفقه يقفز بعضهم باب الجهاد لأنه لم يعد له مجال وميدان، فجاء أولئك وأحيوا في الأمة هذه الفريضة، وأحيوا سنة قد أُميتت وفريضة قد نسيتها الأمة، وحينئذ استفاقت الأمة، استفاقت على هذا الصوت، واستفاقت إلى داعي الجهاد، وصدمت بأولئك الذين خرجوا في تلك البلاد وقاموا لله عز وجل وأحيوا الجهاد في سبيل الله، وكان جهاداً حقًّا ولا شك، وقام بدور في إحياء الأمة ولا شك، لا يسوغ أبداً أن يُطوى، ولا يسوغ أن يُهمل .
لكن الذي حصل أننا أغرقنا كثيراً في العاطفة .
لقد بدأ الجهاد وفيه أخطاء ـ شأن البشر ـ وفيه انحرافات ـ شأن البشر ـ وفيه خلافات ـ شأن جهود البشر ـ فما بالكم بهذا الواقع الذي تعيشه الأمة، وما الجهاد الأفغاني، وما الأعمال الإسلامية كلها إلا إفراز لواقع الأمة الذي تعيشه .
وبدأ الجهاد وفيه ما فيه، من خطأ وخلل وفرقة وانحراف وفي الصف منافقون، ومع ذلك كله كان جهاداً شرعيًّا، كان جهاداً يستحق الدعم من الأمة، وأن تقف في صفه، لكن الذي حصل أننا أغرقنا في العاطفة فرفعنا منزلة أولئك إلى منزلة قريبة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الملائكة، وصرنا نفرط في الحديث عن الكرامات، ونستدل بها ومنها ما كان صحيحاً، وما كان منها لا يقبله عقل ولا منطق، بل ما كان منها من رواية أهل الخرافة الذين اعتدنا منهم هذه الأباطيل، وصرنا نتهم من يُشككُ في شيء منها بأنه من المخذلين، صرنا نتهم من يتحدث عن أخطاء الجهاد، وعن أخطاء المجاهدين ومن يُطالب بتنقية الصف، بأنه من المعوقين، فكنا دائماً نسمع التستر على الأخطاء، ودفن العيوب وكنا نتجاوب في عاطفة جيّاشة، ونتصور أن ذكر الأخطاء والحديث عنها لا ينبغي، ولا يحقق المصلحة ويجعل الأمة لا تتجاوب مع هذا الجهاد، وطال عمر الجهاد وجاء وقت قطف الثمر، وما الذي حصل؟! وماذا كان موقف الناس ؟!
إن موقفنا لا يزال، لازلنا غير آسفين على ريال واحد قدمناه للمجاهدين، ولا زلنا غير آسفين على كلمة قلناها في دعمهم لأنا نرى أنها كلمة حق، ولا زلنا لم نغيِّر مواقفنا .
لكننا نرى أنا نحن السبب في هذا الخطأ، حيث كنا نتجاوب مع العاطفة كثيراً، ونرفض الموضوعية، ونرفض النقد، ونرفض المصارحة، حيث إن الجهاد أوقد عاطفة في نفوسنا، لم نستطع أن نضبطها، ونحكمها فيما بعد، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة، التي يدمينا جميعاً ويؤلمنا أن نسمع تصريح الزعيم الروسي السابق " جورباتشوف " حين يقول: ( لو علمنا أن الأفغان سيصنعون ما صنعوا لسَلَّمناهم كابول منذ زمن بعيد !! ) .
كم يدرك قلبك المأساة والحزن والأسى وأنت ترى الآن السلاح الذي كان وراءه أموال المسلمين، وترى أولئك الذين صعدوا على جماجم الشهداء من كل بقاع المسلمين، ترى أخاهم يوجِّه السلاح والرصاص لأخيه.
إنني هنا لست بصدد تقويم هذا العمل، وهذا الجهاد - وهو مع ذلك لا يزال مفخرة من مفاخر الأمة، وإنجازاً من إنجازاتها- لكن الشاهد هنا أننا في تعاملنا مع هذا الحدث كنا نتجاوب كثيراً مع العاطفة، وكنا نُمارس الإرهاب الفكري ونمارس التثبيط ضد أي صوت ناصح يدعو إلى تنقية الصف ويدعو إلى تصحيح المسيرة، وأخشى ـ أيضاً ـ أن يقع الخطأ مثله وها نحن الآن نشهد الصحوة المباركة، مع ما فيها من إنجازات ففيها أمراض بحاجة إلى علاج، بحاجة إلى مراجعة، بحاجة إلى مصارحة، بحاجة إلى أن تتحدث عن أخطائها، تحت ضوء الشمس وفي وَضَح النهار، فأرجو أن لا تسيطر علينا العاطفة مرة أخرى، فتدعونا إلىالتستر على الأخطاء، ودفن العيوب، حتى تستفحل حينئذ وتستعصي على العلاج والمداواة .
إذن من الإغراق في العاطفة أن تكون العاطفة وسيلة للحكم والتقويم .
الصورة الثانية: كون العاطفة هي المحرك للعمل :
ومن الإغراق في العاطفة ـ أيضاً ـ أن تكون هي الدافع الوحيد للعمل، أن يتجاوب المرء مع عاطفته، فيعمل عملاً، أو يتخذ قراراً، أو يقف موقفاً، والدافع الأول والوحيد له هو العاطفة، لاغير،وهذا عنوان الفشل والانحراف في العواطف .
ومع عدم إهمالنا لدور العاطفة ومع أننا نرى أنه لا بد أن يدفع المرء إلى أي عمل، حماس، وعاطفة تتوقد في قلبه، ونرى أن من يفقد العاطفة لا يمكن أن يحمل الدافع لعمل وإنجاز - مع ذلك كله - فإنا نرى أن العاطفة وحدها حين تكون الدافع للعمل، فإنها ستقود إلى نتائج غير محمودة، ونرى أن التجاوب والإغراق في التفاعل مع العاطفة وحدها، أنه إهمال للطبيعة الإنسانية حتما، فقد خلق الله الإنسان بعقل وحلم وعاطفة، خلقه الله عز وجل بمشاعر وخصائص شتى، والموقف الذي يقفه المرء ينبغي أن يكون إفرازاً لتفاعل كل هذه الخصائص التي فطر الله عز وجل الإنسان عليها، أما حين يكون إفرازاً لعامل واحد فقط فهذا إغراق في العاطفة وغلو وتطرف .
الصورة الثالثة: العلاقات العاطفية:
ومن الإغراق في العاطفة : العلاقات العاطفية التي قد تنشأ بين بعض الشباب، أو بعض الفتيات، فقد ينشأ بين شابين أو فتاتين علاقة ومحبة يتجاوز قدرها، وتعلو حرارتها حتى تتجاوز القدر الذي ينبغي أن تقف عنده، فتتحول إلى عاطفة جيَّاشة، وتتجاوز ذلك الدافع الأول الذي دفع إليها ألا وهو الحب في الله .
وهي صور ومواقف نراها جميعاً، وكثيراً ما ترد إليَّ هذه الشكوى، إما سؤال في محاضرة، أو رسالة يحملها إليَّ البريد، وهي رسائل مؤثرة يحكي صاحبها معاناته مع هذا الجحيم الذي يعيشه من لأواء هذه العلاقة العاطفية ويبحث عن الخلاص والمخرج، والكثير من هؤلاء يطلب مني أن لا أنشر رسالته، مع أني أعرف أنه لن يُعرَف من وراء ذلك، لـكـن مـا دمــت قد استُؤمنت على ذلك، فلا يجوز أن تخون من ائتمنك، وإلا قرأت عليكم بعض تلك الرسائل التي تصوِّر لكم عمق المعاناة التي يعيشها مثل هذا الشاب .
قد تبدأ هذه العلاقة حبًّا في الله عز وجل ثم تتطور إلى حد يتجاوز بعد ذلك هذا القدر، تتحول إلى مشاعر عاطفية يُبديها فلان والآخر، ويحاول كل منهما أن يُغلَّف هذه العلاقة بغلاف الحب في الله، ويحاول أن يطعَّم هذا اللقاء بشيء من التواصي وشيء من التعاون على طاعة الله عز وجل، وهي مكائد وحيل نفسية شيطانية حتى يَغفُل عن الداء، والمحرك الأساس .
وحين تستحكم حينئذ يصعب ويَعُزُّ الفراق،فحين ترى زيداً فأنت تنتظر قَطعاً أن يأتي عمرو، وحين يعتذر زيد عن المشاركة فهذا يعني بالضرورة أن يعتذر عمرو هو الآخر وليس ثمة سبب إلا أنه قد اعتذر، وحين يكون الأول مشغولاً مع والده، فسيكون الآخر مشغولاً مع والدته، وإن لم يكن كذلك فثمة شغل هنا أو هناك، والقضية تتحول إلى أن يربط مصيره بمصير فلان من الناس، حتى لا يصبر على فراقه، ولا عن لقائه، وهكذا الشأن أيضاً عند الفتيات.
إنها صورة من الإغراق في العاطفة والتجاوب معها، صورة تقود إلى نتائج خطيرة، صورة تجعل هذه العاطفة تُحجَبُ عن غير هذا الشاب، فلا يُحب في الله إلا من أحب هذا الرجل ولا يبغض في الله إلا من أبغض هذا الرجل، ويصبح هذا الرجل هو مقياسه والآخر يبادله الشعور نفسه، وأما أصحابه وخِلاَّنه وإخوانه فلم يعد لهم مكان فسيح في قلبه حيث
أتاه هواه قبل أن يعرف الهوى فصـادف قـلـبـاً خـالـيـاً فـتـمـكـنـا
فاستحكمت هذه العلاقة واستحكمت هذه المحبة حتى لم يعد في قلب كل واحد منهما مكان لغير صاحبه، ويكتشف أو يكتشفان الخطأ لكن بعد فوات الآوان، وحين يكون قد انساق مع هذه العاطفة وتجاوب معها فيصعب عليه التراجع حينئذ ويأتي يبثُّ الشكوى ويطرح السؤال كيف الخلاص؟ أشعر أنها ليست محبة خالصة لله، أشعر بعمق المأساة والمعاناة إلى غير ذلك .
لكنه حينئذ أصبح لا يطيق الصبر والفراق، فيبحث عن العلاج حين قد صَعُبَ عليه ذلك، ولو كان منطقيًّا، وجادًّا، وكان مقتصداً في بذل المشاعر العاطفية والعبارات التي ترقق العاطفة، لاعتدل فيها.
نقول ذلك ونحن لا نرفض المحبة في الله، بل لا نرفض الطبيعة التي تجعل فلاناً من الناس يشعر بارتياح لصاحبه، ويشعر أنه يميل إليه أكثر من غيره من الناس وهذه فطرة فطر الله الناس عليها ( الأرواح جنود مجندة ) لكن أيضاً يبقى هذا بقدر معين محدود إذا تجاوزه تحول إلى مرض وداء ـ عافانا الله وإياكم ـ.
وما على من ابتُلِيَ بمثل هذه المشاعر إلا أن يقطع الطريق من أوله، حيث قد يصل إلى مرحلة قد يشق عليه الرجوع بعدها .
الصورة الرابعة: التربية العاطفية:
فقد تسيطر العاطفة على المربي أيًّا كان أباً أو استاذاً أو معلماً فيتعامل مع من يربيه بعاطفة جيَّاشة ويتجاوب مع مشاعره، وتسهم هذه العاطفة في حجب الرؤية السليمة والصحيحة لهذا المربي، الرؤية لواقع من يربيه، وتسهم هذه العاطفة في حجب ما يحتاج إليه، فهو مع حاجته إلى الترغيب، يحتاج إلى الترهيب، ومع حاجته إلى الحب والحنان، يحتاج إلى نوع من الجفاء حين ينفع الجفاء، والخشونة قد تنفع فهي كاليد تغسل أختها .
إن إغراق المربي في العاطفة، يحجب عنه الأخطاء، ويحجب عنه العيوب، يحجب عنه الموضوعية، يحجب عنه الحزم الذي يُحتاجُ إليه في مواقف الحزم، فينساق حينئذ تجاوباً مع هذه العاطفة الجيَّاشة، ويتخذ مواقفه وقراراته ويرسل برامجه استجابةً لتلك العاطفة، فهو يخشى أن يملَّ الشباب، يخشى أن يتضايق الشباب، يخشى أن يسأم الشباب يريد أن يُنفِّسَ عن الشباب، ولا تكاد تجد عنواناً أدق لهذه الأوهام وهذه المخاوف إلا التربية العاطفية .
وبعد ذلك يتعامل هذا الشاب مع غير صاحبه فلا يطيق الفراق للأول، وحين ترى من تربيه لا يطيق فراقك، ويضمن إليك حنيناً، حنيناً زائداً فهذا عنوان إغراقك في العاطفة، فإنك أيضاً ينبغي أن تربي تلميذك، وينبغي أن تربي من تحتك على أتم الاستعداد أن يتخلى لا كرها، لا رغبةً عنك إنما حين يكون الأولى أن يتخلى، حين يكون الأولى أن يفارق، نعم قد يشعر بحنين
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحـنـيـنـه أبــداً لأول مـنـزل
لكن حين يزداد هذا الحنين فيتأثر القرار بهذا الحنين، حين يساوم على هذا القرار فهذا دليل على إغراق في التربية العاطفية، وجَدَلاً نُقنع به أنفسنا أن هذا عنوان نجاحنا، أن هذا عنوان إقناعنا للآخرين، وليس هذا إلا حيلة نفسية نخادع فيها أنفسنا .
الله الله في هذا النشأ، الله الله في هذا الجيل، إننا معشر الشباب، معشر المربين بحاجة إلى جيل حازم، بحاجة إلى جيل يتحمل المسؤولية، بحاجة إلى جيل ينتظر أن يُقال له " لا " فيستجيب، بحاجة إلى جيل ينتظر أن يُقال له سر في غير هذا الطريق فيسير في غيرهذا الطريق .
أما الجيل الذي لا يتجاوب إلا مع عواطفه، ومع مشاعره فهذا لا يَثبُت وقت المحنة، ولا وقت الفتنة ولا يؤمل فيه خيرٌ، وحين تغرق العاطفة في هذه الصور أو غيرها، فإننا لن نجني من الشوك العنب.
إننا سنجني أولاً الغلو ومجانبة الاعتدال، الغلو قبولاً أو رفضاً والغلو والتطرف أمر مرفوض، ترفضه الطباع السوية والمستقيمة والسليمة، فضلاً عن المتأدِّب بأدب الشريعة وهديها .
وها أنت ترى أنك بمجرد أن تصف فلاناً بأنه غالٌّ أو متطرف فإن هذا وحده يكفي في التنفير منه، ونقد موقفه وطريقته، إن المحرك الأول للغلو والتطرف والإفراط هو العاطفة، فالغلو في المدح والثناء ليس إلا تجاوباً مع العاطفة والغلو في الحبِّ والتعلق هو الآخر، والغلو في الرفض والرد هو الآخر كذلك.
والإغراق في العاطفة مدعاة لمجانبة العدل والإنصاف، فحين يقبل، يقبل جملة ، وحين يرفض، يرفض جملة .
إن صاحب العاطفة الذي يتجاوب معها لا يملك أن يضع الأمور في نصابها، لا يملك أن يقول هذا صواب وهذا خطأ، لا يملك أن يزن الأمور بميزان العدل، فهو لايحمل إلا حكمين لا ثالث لهما القبول والرفض، الحب المغرق فيه، والبغض المغرق فيه .
أما طريق الوسط والعدل والإنصاف فهو لا يملكه، وهذا شأن من يشتط ويتطرف، لقد تطرف هو أولاً فاستخدم ميزاناً واحداً، وسار على طريق واحد، هو طريق العاطفة فقاده إلى هذه النتيجة والنهاية المتطرفة، وهو أيضاً يقودنا إلى الوصول إلى نتائج غير سليمة، وغير منطقية وكثيراً ما نجني من حماسة لم تُضبط ولم توزن، أو نجني من عاطفة لم تحكم ولم توزن بميزان العقل والشرع، كثيراً ما نجني منها المواقف الخاطئة، والنتائج التي لا يقتصر وبالها على صاحبها، ولعلكم تتساءلون بعد ذلك ما العلاج؟!
قد أكون أسهبت وأطلت في وصف المرض والداء، ولكني أشعر أن وصف الداء يتضمن في ثناياه وصف العلاج والداء .
أشعر أننا حين ندرك أن إهمال العاطفة جملةً أمر مرفوض، فإن هذا يعني، أن نضع عواطفنا في مواضعها، وأن نعرف أن من الإيمان أن يتألم المسلم لآلام إخوانه، وأن يرحم، وأن يعطف، وأن يُشفِق، وأن يتحمَّس في مواضع الحماس، ويرحم في مواضع الرحمة، ويُشفق في مواضع الشفقة، ويُحب في مواضع الحب .
ونشعر أيضاً أن الإغراق في العاطفة هو الآخر أمر مرفوض، وأننا كما قلت نُعاني من جيلنا المبارك الإغراق في العاطفة أكثر من الإهمال .
ونعاني من مواقف كثيرة، نكون فيها أكثر تجاوباً مع العاطفة، فالحل يتمثَّلُ في " أن نزن مواقفنا " وأن نزن أعمالنا وأن نفكر فيها، وأن نشعر بأن الله عز وجل كما خلق فينا عواطف فقد خلق فينا أيضاً عقلاً وحلماً وأعطانا سبحانه وتعالى علماً بكتابه سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل قد أعطانا موازين وقيم غير هذا الميزان وحده .
وحين لا نملك إلا هذه الصنعة ولا نزن إلا بهذا الميزان، فإن هذا عنوان التطرف والغلو.
أرى أن العدل والإنصاف، وزن الأمور والتأمل فيها، والمراجعة مما يُعيننا كثيراً على تجاوز هذه النتائج والآثار السلبية، ويبعدنا عن الشطط والغلو، وكلاهما غلو، الرفض والإهمال غلو، والإغراق والمبالغة في التجاوب هو الآخر أيضاً غلو، والوسط بين هذين الطريقين وبين هذين السبيلين .
أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب .


منقول









الطالب والدراسة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:
فهذا الموضوع يعني فئة خاصة وهم الطلاب والدارسون، وهو يعين بدرجة أخص الصالحين والأخيار منهم الذين نأمل أن يؤدوا أدوارا محمودة؛ لأنهم في الأغلب رواد هذه الدروس والمجالس.
أهمية الدراسة للطالب:
تأخذ الدراسة على الطالب حيزاً كبيراً من وقته، فهو يقضي في اليوم قريبا من ست ساعات داخل المدرسة، وهي تمثل ربع ساعات اليوم، وإذا حذفت من اليوم ساعات للنوم ويعض ساعات الراحة والطعام لا تجد بعد ذلك إلا وقتا يسيرا.
كما تأخذ الدراسة عليه وقتاً طويلاً من عمره؛ فهو يحتاج على أقل الأحوال إلى ستة عشر عاماً إذا أنهى المرحلة الجامعية، وهذه الدراسة تأتي في وقت مهم من عمره، وقت زهرة وحيوية الشاب ووقت بناء شخصيته.
كما أن الدراسة تحدد توجه الشخص وتخصصه، وميدان عمله في المستقيل.
وهذا كله يحتم على الطالب أن يعتني بها ويستفيد منها.
الطالب وأستاذه :
ثمة قضايا مهمة لابد أن يعتني بها الطالب في التعامل مع أستاذه، فالأستاذ يشكل عنصراً أساسيًّا يتعامل معه الطالب في المدرسة، ومن هنا كان لابد من ضوابط تحكم علاقة الطالب بأستاذه، وقد اعتنى السلف بذلك كثيراً في كتبهم، بل إن بعضهم أفرد هذا الباب بتصنيف خاص، وهو ما يعرف بآداب العالم والمتعلم، وعندما يتحدثون عن آداب المتعلم فإنهم يفردون جزءا خاصا بآداب المتعلم مع شيخه ومع أستاذه.
والمأمول من شبابنا وطلابنا أن يعنوا بهذا الأمر فيقرؤوا ما سطره السلف حول ما ينبغي أن يتأدب به الطالب مع شيخه وأستاذه، وأن يحرصوا قدر الإمكان على التخلق بتلك بتلك الآداب والتأدب بها.
وحين نقارن بين ما سطره السلف حول آداب الطالب مع شيخه ومع أستاذه، وبين واقعنا اليوم نجد أن هناك مسافة شاسعة جدا.
وبإمكانكم الرجوع إلى ما سطر في ذلك، ولعل من أفضلها كتاب الحافظ ابن جماعة وهو بعنوان (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) .
ولئن كان لدى الأستاذ تقصير في التزامه وتدينه، أو في علمه وتخصصه، فهذا لايسقط حقه من التوقير والتقدير.
إننا نجد اليوم عدداً من يتولون التدريس قد ابتلي بمخالفات ظاهرة، ولا شك أن الأستاذ أولى الناس بأن يكون قدوة صالحة للطلاب، سواء بالتزامه بالأحكام الشرعية، أمام طلابه أوفي تعامله معهم فهو يدعوهم إلى حسن الخلق بمقاله فلا بد أن يدعوهم بفعله وحاله.
لكن هذا الأستاذ الذي يرتكب بعض المخالفات لا ينظر إليك على أنك شاب ملتزم مستقيم، وهو عاص ضال، ولا أنك أنت أولى منه وأفضل منه، إنما ينظر إليك على أنك لازلت طالبا صغير السن، ومهما كان عندك من الاستقامة والعلم والخير فأنت لازلت دونه.
وهو يفترض أنك مادمت مستقيماً وصالحاً فلا بد أن تكون حسن الخلق، وأن يرى منك معاملة الأستاذ بما يليق به.
ومع حسن المعاملة فلا بد من أن تحرص على أن تستفيد منه، فهو مهما كان لديه من تقصير سواء فيما يتعلق بالمخالفات الشرعية، أو ضعف علمي، فهو على كل حال أقدر منك علما وتجربة.
2 – حماية عرض الأستاذ:
مجالس الطلاب كثيراً ماتملأ بالسخرية من أساتذتهم، أو اغتيابهم والوقوع في أعراضهم، ولئن كان هذا ممقوتاً في حق سائر الناس، فهو في حق المعلم أسوأ وأشد مقتاً، وحين تقع من طالب صالح ومستقيم فهي أشد وأنكى.
فمن حق الأستاذ البعد عن تناول عرضه، بل الذب عنه حين يخوض الطلاب في عرضه، عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- عن النبي r قال:»من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة«، فإذا كان هذا في عرض أخيك فلا شك أن أستاذك وشيخك له حق عليك.
والأمر يحتاج إلى حكمة في تعامل الطالب مع زملائه، فحين تواجه زميلك الذي يقع في عرض أستاذه فقد لا يستجيب لك، لكن عندما تسلك أسلوباً فيه حكمة، أما ما يفعله بعض الطلاب بإبلاغ الأستاذ بمن يخوض في عرضه، فهو غير مشروع، بل هو مدعاة لزيادة الشحناء وإثارة البغضاء التي جاء الشرع بإزالتها بين المسلمين.
3 – التعامل مع خطأ الأستاذ:
الأستاذ بشر ليس معصوماً، فقد يقع في خطأ؛ فيستدل بحديث ضعيف، أو يختار قولاً مرجوحاً، وقد يتحدث في موضوع معين لدى الطالب فيه معلومات ليست لدى الأستاذ؛ فحين يدرك الطالب خطأ أستاذه فهذا لا يعني أنه أعلم منه ولا أكثر إحاطة؛ فإن الهدهد قال لسليمان ]أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين[ فهل يعني هذا أن الهدهد أعلم من سليمان؟
إن بعض الطلبة يفرح بمثل هذه القضية ويقفز مباشرة في وجه أستاذه ليقول له إن هذا الحديث ضعيف، أو هذا الكلام فيه كذا وكذا، أو سمعت كذا وكذا، وهذا فيه شهوة خفية وحب للظهور أمام الناس، قد لا يشعر به صاحبه، فيجب أن تسلك الحكمة في ذلك بتصحيح مثل هذا الخطأ بأسلوب مناسب؛ فمما يصعب على الأستاذ أن يعترف بالخطأ أمام الطلاب.
والطالب الحكيم يمكن أن يحدث أستاذه خارج الفصل، فيقول إني سمعت كذا وكذا وقرأت كذا وكذا، فكيف أوفق بين هذا وبين ما سمعته منك في الدرس؟ وقد يأتي بالكتاب ويعطيه الأستاذ ويقول أنا قرأت في هذا الكتاب كذا وكذا، وأنت قلت غير هذا الكلام فكيف أوفق بين كلامك وكلام الكتاب؟
بل إنه في حالات كثيرة يفهم الطالب ما قرأه أو ماسمعه من أستاذه فهماً خاطئاً؛ فيخطئ أستاذه بناء على هذا الفهم.
وقد يقع الأستاذ في مخالفة شرعية فالإنكار عليه ليس كمثل عامة الناس، بل يجب أن تسلك الأسلوب الذي ترى أنه فعلا يؤدي المصلحة التي تريد أن تصل إليها وتسعى إلى تحقيقها.
4 - الاستفادة من الأستاذ المتميز:
قلما تجد مدرسة إلا وفيها عدد من الأساتذة المتميزين علميًّا -بالنظر إلى مستوى الطلاب على الأقل- ومن هنا أنا أوصي الشاب أن يحرص على أن يستثمر هذه الفرصة؛ فوجوده مع الأستاذ محدود، وتدريس هذا الأستاذ له مدة محدودة، فليحرص على أن يستفيد منه قدر الإمكان ولو حتى خارج الفصل، بل يجدر به أن يقوي صلته مع هذا الأستاذ ويحرص على الاستفادة منه سؤالا واستشارة ومناقشة.
الطالب والدراسة:
ثمة قضايا لها أهميتها في صلة الطالب بدراسته، ومنها:
1- الإخلاص لله عز وجل:
لا يخلو الطالب من أن يكون يدرس دراسة شرعية، أو يدرس تخصصاً آخر غير شرعي، فإذا كان يدرس دراسة شرعية فهو يتعلم علما شرعياً، فيتأكد في حقه مراعاة النية الصالحة؛ فقد قال r :" من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" . وحتى لو دخل الطالب ابتداء ونيته ليست صالحة، فهذا لا يمنعه من أن يصحح نيته، والعلم الشرعي سبب لصلاح الإنسان في نفسه وصحة عبادته، وسبب لنفعه لعباد الله وإفادتهم ودعوتهم.
أما من لا يدرس دراسة شرعية فحري به أن تكون نيته تقديم الخير للمسلمين ونفعهم فيما هو من تخصصه، فالأمة تحتاج إلى الطاقات في كافة التخصصات، وتحتاج إلى الناس الأخيار في كل ميدان.
أما أولئك الذين يتجهون إلى هذه التخصصات لما ينتظرون من ورائها من مكانة اجتماعية، أو عائد مادي مجز فهؤلاء أصحاب أهداف قريبة قد رضوا لأنفسهم بالدون.
والإخلاص مع ما فيه من تصحيح العمل، وإقبال صاحبه عليه وتحقق الأجر والثواب له، فهو أمر قلبي لا يكلف صاحبه مزيداً من الجهد، فلو عقدت مقارنة بين طالبين: هذا مخلص لله وهذا غير مخلص، فكلهم سوف يحصل على الشهادة والمزايا المالية التي يحصل عليها الآخر.
والطالب الذي يستحضر النية الصالحة، منذ أن يخرج من منزله إلى أن يعود إليه وهو في عمل صالح؛ فهو داخل تحت قول النبي r :"من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" وكل ما يصيبه من تعب ومن جهد في الاستذكار والامتحانات فهو مأجور عليه.
2 – الاعتناء بالتخصص:
إن الطالب الذي يستحضر النية الصالحة الخالصة لابد أن يعتني بتخصصه، وألا تكون صلته به مقتصرة على مايتلقاه في مقاعد الدراسة؛ فينبغي أن يظهر أثر ذلك في متابعته للكتب والدوريات والندوات والبرامج العلمية المتعلقة بتخصصه؛ إذ بدون ذلك لن يستطيع أن يفيد الأمة من خلال هذا التخصص.
وسواء في ذلك التخصصات غير الشرعية، أو التخصصات الشرعية، فليس من التعامل السليم مع التخصص أن تجد مكتبة متخصص في الفقه وأصوله لاتختلف عن مكتبة متخصص في علوم القرآن.
3 - الدراسة وتحصيل العلم الشرعي:
ثمة فهم سائد لدى طائفة من الطلاب الذين يدرسون في التخصصات الشرعية؛ فتجدهم يعتبرون طلب العلم فيما هو خارج إطار الدراسة، سواء أكان من خلال القراءة والاطلاع، أم من خلال حضور الدروس والدورات العلمية، ويترتب على ذلك إهمال للدراسة، التي يقضي فيها زبدة وقته، ويتلقى من مختصين –مهما كانت خلفيتهم العلمية- قضوا وقتاً وجهداً في هذا التخصص والتعامل معه.
إن المقرر الذي يتلقاه الطالب على مقاعد الدراسة غالباً ما يكون قد أعد بعناية، ويكمل فيه الطالب دراسة العلم –ولو بشكل مختصر- ويمتحن فيه، فيعيد قراءته ومراجعته واستذكاره.
الطالب والدعوة:
إن مدارسنا اليوم لاتكاد تخلو من عدد من الشباب الصالحين الذين يحملون هم الدعوة ويدركون المسؤولية الملقاة على عاتقهم، والمفترض أن تكون المدرسة هي الميدان الدعوي الأول للطالب الذي يشعر بأنه يحمل مسؤولية الدعوة، ومما يبرز أهمية الدور الدعوي في المدرسة:
1- أن الطالب يقضي في المدرسة عدة ساعات هي زبدة وقته، فإذا لم يقم بالدعوة في هذا الميدان فأي ميدان سيكون أكثر إنتاجاً فيه؟
2- كثرة عدد الطلاب، فهو يعد في المدرسة والكلية الواحدة بالمئات، فحين نعتني بالدعوة في المدارس فسوف نتعامل مع قطاع عريض جدًّا من قطاعات المجتمع.
3- أن كثيراً من الأنشطة الدعوية تقدم لمن يقبل عليها كالدروس والمحاضرات ونحوها، أما العمل في هذه الميادين فهو يستهدف إيصال الدعوة للجميع.
4- أن فئة الطلاب من أكثر الفئات استجابة للدعوة وقابلية للتأثر، ومن ثم فالنتائج المرجوة والمؤملة من هذا الميدان الدعوي أكثر من غيره من الميادين.
5- أن هذه الفئة هي أهم فئات المجتمع، فالشباب أكثر طاقة وحيوية، وهم قادة المجتمع في المستقبل، بخلاف كبار السن ونحوهم.
6- أن هذه الفئة هم أقرب الناس إلى الشاب، فهو يعيش معهم ويخالطهم ويجالسهم، لذا فدعوتهم أولى من دعوة غيرهم، والمسؤولية تجاههم آكد من المسؤولية تجاه غيرهم، فالمدرس يقابل هؤلاء مرتين أو أكثر في الأسبوع الواحد، والطالب يعايشهم لسنوات عدة، ويقابلهم كل يوم وقتاً ربما كان أكثر مما يقابل والديه.
إن هذا هو الميدان الذي يطيقه الطالب ويحسنه، فكثير من المجالات والأنشطة الدعوية تتطلب قدراً من الإمكانات والطاقات قد لاتتوفر له، أما زملاؤه في الدراسة فهم في سنه، ومستوى تفكيره، فلن يحتاج معهم لمزيد من الجهد.
إنه مما يؤسف له أن تنظر في حال بعض الشباب الذين كثيراً ما يسألون عن الدعوة ويتحدثون عنها فتراه يزامل بعض الشباب ثلاث سنوات أو تزيد، ومع ذلك لم يسمع منه كلمة واحدة.
إن تملك دافعا وروحا تقودك إلى أن تحضر المحاضرة، أو تشتري الكتاب، أو تتفاعل مع المسلمين في بورما ويوغسلافيا والصومال وتسأل عن أخبارهم وتقرأ ما يتعلق بأمورهم وتتبرع لهم، هذه الروح لا نريد أن نقضي عليها، لكن نريدها أن تسهم في أن تدفعك لدعوة هذا الشاب الذي تراه كل يوم ومع ذلك لم تقدم له خيراً أليس هذا أولى الناس بك؟
القدوة ودورها في الدعوة:
إن القدوة الصالحة تترك أثرها في الناس دون أن يتحرك لسانه بدعوتهم وخطابهم، والشاب الذي يحمل مسؤولية الدعوة ينبغي أن يكون قدوة لزملائه في عبادته فهو يصلي معهم في المدرسة فليروا منه الاهتمام بالصلاة والاعتناء بها فرضاً ونافلة، وأن يكون قدوة في الانضباط الشرعي فلا تظهر منه مخالفة أو مجاهرة بمعصية، وأن يكون الأخلاق والآداب العامة فلا يليق أن تجد الطالب الصالح يقف أمام المكاتب الإدارية معاقباً أو محاسباً، وأن يكون قدوة في الاتزان والسمت، فلايكون مزاحه وعبثه كسائر الطلاب، وأن يكون قدوة في التحصيل الدراسي وتعامله مع أساتذته.
وما أجمل أن نجد أن الأستاذ يفرح عندما يرى الطالب قد استقام لأنه يعرف أن هذا سينشأ عنه استقامة سلوكه، واجتهاده في دراسته، وما أجمل أن يفرح الطلاب حين يدخل عليهم شاب مستقيم لأنهم يعرفون أنه يختلف عن سائر الطلاب فهو بشوش لطيف المعشر، بعيد عن المشاكسة والمشكلات، يعينهم في قضاء حوائجهم ويخدمهم فيما يريدونه منه.
أهداف النشاط الدعوي في المدرسة:
إن الدعوة في المدرسة ينبغي أن تأخذ ميداناً ومجالاً أوسع من الدائرة المحدودة التي يحصرها فيها البعض من الطلاب.
ويمكن أن نحدد أهداف النشاط الدعوي في المدارس فيما يلي:
أولا: زيادة المنتمين للصحوة، من خلال الاعتناء بدعوة الشباب المحافظين الذين يقتصر تدينهم الفطري على أنفسهم، أن يدعى هؤلاء للمشاركة في الأنشطة والبرامج العامة التي تؤهلهم لأن يكونوا من جيل الصحوة وحملة الدعوة.
ثانياً: إصلاح بعض من وقع في الانحراف من الطلاب، فكثير منهم مهما كان لديه من الانحراف فهو يحمل القابلية للخير والاستعداد للاستجابة (ارجع إلى محاضرة عوائق الاستقامة).
ثالثاً: نشر الخير ومظاهره بين عامة الطلاب، فالأنشطة –ولو لم يكن لها أثر مباشر في استجابة بعض الطلاب- فلها أثرها في إحياء الحس الإسلامي وإيقاظه بين المدعوين، ولها أثرها في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة، ونشر الخير والعلم الشرعي.
رابعاً: إنكار المنكرات العامة، فهو واجب شرعي، وفشو المنكرات والمجاهرة بها له أثره الكبير على بقية الطلاب، فكثير منهم يتعلم ألوالناً وصوراً من الانحرافات من خلال ما يراه في المدرسة. واعتناء الشباب الصالحين بإنكار المنكرات له أثره في حمايتهم من التأثر بها، فالإنسان مهما بلغ من التقوى والصلاح عرضة للتأثر.
وثمة وسائل عدة يملكها الشاب الصالح لإنكار هذه المنكرات، منها النصيحة الشخصية لصاحب المنكر، ومنها التوبيخ له أمام زملائه وبخاصة حين يكون معلناً لمنكر فيه من الوقاحة والبشاعة، ومنها الاستعانة ببعض الأساتذة الغيورين….إلخ هذه الوسائل.
ولو تضافرت الجهود، وقام الغيورون بإنكار مايرونه من منكرات لاختفى كثير منها، وامتنع كثير من الطلاب من المجاهرة بها وإعلانها.
وثمة أمور مما تعين على أن يحقق إنكار المنكر هدفه وغايته، ومنها:
الأمر الأول: ضرورة التثبت في الإخبار عن المخالفات الشرعية، والبعد عن التعجل والتسرع.
الأمر الثاني: الاستشارة للزملاء والأساتذة فيما يقوم به الشاب من أنشطة، فحداثة تجربته تحوجه إلى الاستعانة والاسترشاد بتجارب من سبقه.
الأمر الثالث: الثقة بالنفس وعدم احتقار الذات أو الشعور بعدم الإنجاز، فكثير من المهام الدعوية التي تراد من الشاب لا تتطلب قدراً كبيراً من العلم والقدرة على التأثير، فهو في الأغلب يدعو أقرانه وهم دونه في العلم والثقافة والقدرات.
الأمر الرابع: طول النفس وعدم الملل، فالنتائج قد تأتي سريعة، بل إن دعوة الشاب لأحد زملائه قد لا يظهر أثرها إلا بعد أن يتخرج الجميع من المدرسة ويفترقون، وينسى الداعي ولا ينسى المدعو.
هذه بعض الخواطر والمقترحات التي قد لا يكون فيها جديد لإخواننا، لكنها تذكير والذكرى تنفع المؤمنين.
أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.